نظرة المجتمع والواقع
في مجتمعاتنا، غالباً ما تتردد جملة: “ما زلت صغيراً، ما الذي يضغطك؟ ماذا رأيت من الحياة؟”. في الواقع، يظن الكثير من الكبار أن المشاكل والضغوطات النفسية لا تأتي سوى من المسؤوليات المالية والعمل، غافلين عن حقيقة أن ما يرونه بسيطاً، يشكل بالنسبة للجيل الحالي وفي زمننا الحالي حياة كاملة من الأزمات والضغوطات النفسية التي قد يواجهها المراهقون والشباب يومياً، وحتى الأطفال.
ضغوطات الجيل الحالي
يعيش جيلنا الحالي اليوم في ضغوطات قد تسبب قلقاً وتعباً نفسياً، ليس فقط بسبب الدراسة، بل قد يكون من تفاصيل أدق وأقسى؛ كلمات قاسية لا يدرك البعض كيف قد تخرب حياة شخص بالكامل، إضافة إلى ذلك التنمر، أو العنصرية، أو المقارنة المستمرة مع الآخرين، أو حتى الابتزاز. قد يقع الشخص في كل هذه المشاكل من غير أن يدرك، فقط لأنه كان ضحية لهذه الحكايا.
والأسوأ من ذلك، أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذه الضغوطات تلاحق الشخص حتى وهو في غرفته وعلى سريره، فبمجرد أن يفتح هاتفه، يجد نفسه محاصراً بالتنمر، أو يدخل في مقارنة لحياته بحياة الآخرين التي تبدو مثالية.
دوامة قلة خبرة الأهالي والعادات
ووسط كل هذه المشاكل والضغوطات التي قد يواجهها شخص صغير في السن، ينضم إلى ذلك في بعض البلاد والمدن قلة خبرة غالبية الأهالي (وليس الكل بالطبع، فهناك أهالٍ متفهمون) الذين يحكمون أحياناً على الأمور بعادات وتقاليد قديمة، مما يجعل الشخص في دوامة ما بين كيف يخرج من هذه الورطة التي هو بها بنفسه (لكونه خائفاً من إخبار أهله)، وكونه قليل الخبرة لأنه لم يواجه الحياة بشكل كافٍ بعد.
غياب المستمع
وقد تكون مجرد ضغوطات عابرة، أي ليست مشاكل فعلية، ربما فقط بسبب كلام قاسٍ، أو عدم التشجيع في بعض الأشياء. لهذا، أحياناً أو غالباً، يحتاج الشخص إلى من يستمع إليه، ولكن المشكلة هي غياب المستمع؛ فحين يلجأ الشاب لأهله، يميل غالبيتهم في مجتمعنا إلى الاستخفاف بكلامه، أو إلقاء اللوم عليه، أو انتقاده بدلاً من استيعابه.
دور الطبيب النفسي (الخاتمة)
لذا أقول أنا، وكثير من الأطباء النفسيين في هذا اليوم: أن الذهاب للطبيب النفسي لا يقتصر فقط على المريض النفسي الفعلي، بل قد يكون لأي شخص يريد أن يتكلم، أو يعبر، أو يفضفض ولا يجد من يتكلم معه؛ لأن أكبر مأساة يواجهها الشاب أو المراهق في هذه الايام هي ألا يجد من يفهمه. وجود طبيب نفسي في حياة أي شخص ليس رمزاً بأن هذا الشخص مريض أو ضعيف الشخصية، بل هي أولى خطوات الوعي والنضج، لأن العقل يحتاج إلى تنظيف مستمر من تراكمات الحياة، وذلك يتطلب مساعدة.