٥٤
الرئيسية ثقافة ومجتمع مم نخاف أن نتحدث؟
مم نخاف أن نتحدث؟
ثقافة ومجتمع 16 أغسطس 2026 ٦ دقائق قراءة

مم نخاف أن نتحدث؟

هناك نوع من الصمت لا يأتي لأننا لا نملك شيئا نقوله، بل لأننا نعرف أن هناك أشياء من الأفضل ألا…

هناك نوع من الصمت لا يأتي لأننا لا نملك شيئا نقوله، بل لأننا نعرف أن هناك أشياء من الأفضل ألا نقولها. ربما مررنا جميعا بموقف كنا فيه مع الأصدقاء، وبدأ شخص ما بالحديث عن رأيه الحقيقي في موضوع حساس، ثم قال فجأة: “بس لا تقولون لأحد”. في تلك اللحظة، يصبح الحديث أكثر صراحة. نتحدث عن الدين، والعادات، والعلاقات، والجندر، والزواج، والسياسة، والمستقبل، وحتى عن الأشياء التي لا تعجبنا في المجتمع. لكن هذه الآراء نفسها قد تختفي تماما عندما نخرج من الدائرة الصغيرة التي نشعر فيها بالأمان.

وهنا يبرز سؤال مهم: مم نخاف أن نتحدث؟

قد يكون الخوف من رأي الأسرة، أو من نظرة المجتمع، أو من أن يتم وصفنا بأننا متمردون أو مختلفون. وأحيانا لا يكون هناك شخص محدد يمنعنا من الكلام أصلا. نحن فقط نعرف، من خلال تجاربنا اليومية، ما هي المواضيع التي يفضل أن نبقيها لأنفسنا. وهكذا تبدأ الرقابة الذاتية.

والرقابة الذاتية ليست ظاهرة مرتبطة بمجتمع واحد. فقد وجدت دراسة حديثة عن التعبير في وسائل التواصل الاجتماعي أن بعض المستخدمين يغيرون ما يقولونه علنا بناء على مدى شعورهم بدعم المحيط بهم، وعلى ما يعتقدون أن المجموعة التي ينتمون إليها تتقبله. وهذا يعني أن الإنسان قد يمتلك رأيا في داخله، لكنه يختار التعبير عنه بطريقة مختلفة عندما يشعر أن هناك جمهورا يراقبه أو قد يحكم عليه (Wang et al.).

وهذا يجعل وسائل التواصل الاجتماعي موضوعا مهما في النقاش. فمن جهة، أعطت هذه المنصات الشباب مساحة كبيرة للتعرف على أفكار وتجارب مختلفة. ومن جهة أخرى، جعلت التعبير عن الرأي أكثر علنية. ما كان في السابق نقاشا خاصا بين شخصين يمكن اليوم أن يصل إلى مئات أو آلاف الأشخاص خلال دقائق. ولهذا قد يصبح الخوف من الحكم الاجتماعي أكبر، حتى عندما لا يكون هناك شخص يمنعنا فعليا من الكلام.

الشباب العماني بين الانفتاح والتقاليد

لكن بالنسبة للشباب العماني، هناك جانب آخر مهم. نحن نعيش في مجتمع يحافظ على قيمه وتقاليده، وفي الوقت نفسه نعيش في عالم مفتوح بشكل لم يكن موجودا للأجيال السابقة. الهاتف الذي نحمله في أيدينا يضع أمامنا يوميا أفكارا من مجتمعات مختلفة تماما. نرى طرقا مختلفة للحياة، ونتعرف على أشخاص لديهم آراء مختلفة في الدين، والحرية، والعائلة، والمرأة، والعلاقات، والعمل، وحتى معنى النجاح نفسه. ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الانفتاح إلى طرح أسئلة جديدة.

الاختلاف لا يعني الرفض

لكن طرح سؤال لا يعني رفض المجتمع. وامتلاك رأي مختلف لا يعني بالضرورة عدم احترام العائلة أو الثقافة. الإنسان يستطيع أن يحب بلده وثقافته، وفي الوقت نفسه يسأل: هل هناك بعض العادات التي يمكن أن تتغير؟ هل يجب أن تكون حياة كل شخص متشابهة؟ وهل الاختلاف في الرأي شيء يجب أن نخاف منه؟

هذه الأسئلة لا تعني أن كل ما هو قديم يجب أن يختفي، ولا أن كل ما هو جديد أفضل. لكنها تعني أن الفرد يجب أن يمتلك مساحة للتفكير بنفسه، بدلا من أن يرث كل أفكاره فقط لأنها كانت موجودة قبله.

وفي الواقع، فكرة مشاركة الشباب والمجتمع في بناء المستقبل ليست غريبة عن الخطاب الوطني في عمان. فقد اعتمدت رؤية عمان 2040 نهجا تشاركيا في إعدادها، وشملت المشاركة قطاعات مختلفة من المجتمع، من بينها الشباب والنساء وطلاب المدارس والجامعات والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني. ووفقا للموقع الرسمي لرؤية عمان 2040، شارك أكثر من 41 ألف شخص في مراحل إعداد الرؤية.

إذا كان الشباب جزءا من بناء المستقبل، فمن الطبيعي أيضا أن تكون لديهم مساحة للتعبير عن تصورهم لهذا المستقبل.

الحرية بين القانون والمسؤولية

وفي الوقت نفسه، لا تعني حرية التعبير أن نقول أي شيء دون مسؤولية. النظام الأساسي للدولة في عمان ينص في المادة 35 على أن “حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون” (Oman, art. 35). وهذا يعني أن حرية التعبير مرتبطة بالقانون والمسؤولية، ليست حرية مطلقة بلا حدود.

لكن وجود حدود قانونية لا يلغي أهمية الحوار. على العكس، الحوار الهادئ يمكن أن يكون وسيلة لفهم المجتمع لنفسه. واليونسكو، في دليلها حول حرية التعبير الموجه للشباب، تؤكد أهمية تمكين الشباب من فهم مفهوم حرية التعبير، ومناقشة حدودها، ودورها في المشاركة في المجتمع (UNESCO).

الخلاصة: الصدق مع الذات

ربما المشكلة الحقيقية ليست أننا نختلف، بل أننا أحيانا نخاف من الاعتراف بأننا نختلف.

المجتمع الذي لا يسمح لأفراده إلا برأي واحد قد يبدو هادئا من الخارج، لكنه لا يعني بالضرورة أن الجميع مقتنعون. قد يعني فقط أن البعض تعلموا الصمت. أما المجتمع الأكثر نضجا فهو الذي يستطيع أن يحافظ على هويته وقيمه، وفي الوقت نفسه يسمح لأفراده بأن يسألوا ويناقشوا ويختلفوا باحترام.

وهنا تصبح الحرية أكثر من مجرد حق قانوني. تصبح أيضا ثقافة اجتماعية. فحتى لو كان القانون يسمح للشخص بالتعبير عن رأيه، قد لا يشعر هذا الشخص بالحرية إذا كان يخشى خسارة أصدقائه، أو علاقته بعائلته، أو احترام الناس له لمجرد أن لديه رأيا مختلفا.

ربما لا نحتاج إلى أن نتفق جميعا. وربما لا نحتاج أيضا إلى أن نختار بين أن نكون ليبراليين ومحافظين وكأن هناك طريقا واحدا فقط للتفكير بناء على عادات الغرب. ما نحتاجه هو أن تسمح للفرد بأن يسأل، وأن يفكر، وأن يغير رأيه، وأن يختلف مع من حوله دون أن يشعر أن اختلافه يجعله شخصا سيئا.

في النهاية، لا أعتقد أن السؤال يجب أن يكون: هل يجب أن تصبح عمان أكثر انفتاحا أم أكثر محافظة؟

السؤال الأهم هو: هل يستطيع الشاب العماني أن يكون صادقا مع أفكاره، حتى عندما تختلف عن أفكار من حوله؟

ربما لا نحتاج إلى أن نتفق جميعا. ربما نحتاج فقط إلى أن نشعر بأن الاختلاف ليس شيئا نخجل منه.

فحرية الإنسان لا تبدأ فقط عندما يسمح له بالكلام، بل تبدأ أيضا عندما لا يشعر بأنه مضطر إلى تغيير ما يفكر فيه حتى يكون مقبولا.

Works Cited

Oman. Royal Decree No. 6/2021: Issuing the Basic Statute of the State. 11 Jan. 2021, Decree.om. Accessed 11 Aug. 2026. (Decree)

Oman Vision 2040 Implementation Follow-up Unit. Vision Overview: Community Participation. Oman Vision 2040, 2026. Accessed 11 Aug. 2026. (Oman 2040)

UNESCO. Freedom of Expression Toolkit: A Guide for Students. UNESCO, 2013, updated 28 May 2025. Accessed 11 Aug. 2026. (UNESCO)

Wang, Xinyu, et al. “Silence and Noise: Self-Censorship and Opinion Expression on Social Media.” arXiv, 10 Apr. 2026. Accessed 11 Aug. 2026. (arXiv)

Author

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *