في أحد أحياء الكسوة بريف دمشق، لم تكن مشكلة المياه تتعلق بالبئر وحدها. كانت المياه موجودة، لكن المضخة التي تنقلها إلى السكان لم تستطع العمل إلا نحو ساعتين يوميًا بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود.
في عام 2024، دعمت اليونيسف إعادة تأهيل البئر وتركيب منظومة طاقة شمسية لتشغيل المضخة. وبحلول نهاية أبريل من العام نفسه، أفادت المنظمة بأن المضخة أصبحت تعمل، موفرة نحو 850 مترًا مكعبًا من مياه الشرب يوميًا لمنطقة يسكنها قرابة 50 ألف شخص.
ما يلفتني في هذا المشروع أن إصلاح البئر لم يكن كافيًا. كان لا بد من حل مشكلة تقع ظاهريًا خارج قطاع المياه: الطاقة.
هذه التفاصيل الصغيرة نسبيًا تساعد على فهم مشكلة كبيرة تواجه إعادة إعمار المدن السورية. فقد يكون لدينا مبنى قابل للإصلاح، أو محطة مياه تحتاج إلى معدات جديدة، أو طريق متضرر. لكن الفائدة من كل مشروع تعتمد أحيانًا على أشياء أخرى لم تُصلح بعد.
والسؤال ليس فقط عمّا دُمّر، بل عمّا يجب أن يعمل حتى تصبح إعادة البناء مفيدة فعلًا.
حجم الضرر لا يحدد ترتيب الإصلاح
في أكتوبر 2025، نشر البنك الدولي تقييمًا للأضرار المادية التي لحقت بسوريا خلال الفترة من 2011 إلى 2024.
قدّر التقرير قيمة الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار. وكانت البنية التحتية الفئة الأكثر تضررًا، بقيمة تقارب 52 مليار دولار، أي نحو 48% من إجمالي الأضرار التي شملها التقييم. أما المباني السكنية فبلغت أضرارها نحو 33 مليار دولار، والمباني غير السكنية نحو 23 مليارًا.
وقدّر البنك تكلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري واسع يتراوح بين 140 و345 مليارًا.
الرقمان، 108 مليارات و216 مليارًا، لا يقيسان الشيء نفسه. الأول تقدير للأضرار المادية المباشرة، والثاني لتكلفة إعادة الإعمار. ولا يعني إصلاح أصل متضرر بالضرورة إنفاق مبلغ مساوٍ لقيمة الضرر المقدّر عليه.
كما أن هذه التقديرات، رغم أهميتها، لا تقدم قائمة تفصيلية بالمشروعات التي يجب تنفيذها أولًا.
لو كان حجم الضرر وحده هو معيار الأولوية، لأمكن ترتيب المشروعات حسب تكلفة ما تهدّم. لكن قرار الإصلاح يتأثر أيضًا بعدد الأشخاص الذين يعتمدون على الخدمة، والخطر الناتج عن غيابها، وما تحتاجه حتى تعمل.
قد تكون محطة تحويل كهربائي أقل ظهورًا من مجموعة أبنية مدمرة، لكنها تغذي مضخات مياه ومراكز صحية وورشًا ومحال تجارية. وقد يؤثر إصلاحها في حياة سكان لا يقطنون بالقرب منها أصلًا.
وفي المقابل، لا يمكن تأجيل إزالة خطر إنشائي يهدد حياة السكان لمجرد أن مشروعًا آخر يخدم عددًا أكبر من الناس.
لهذا لا توجد طريقة واحدة لترتيب جميع مشروعات إعادة الإعمار.
الإنقاذ العاجل ليس إعادة بناء دائمة
من المفيد التمييز بين ثلاث مشكلات تحدث غالبًا في الوقت نفسه.
الأولى هي الحفاظ على حياة الناس عندما تتوقف خدمة أساسية فجأة.
في مارس 2025، أدت اضطرابات أمنية وانقطاع للكهرباء في الساحل السوري إلى توقف محطة السن لمعالجة المياه، وهي محطة تخدم نحو 1.5 مليون شخص في محافظتي اللاذقية وطرطوس.
لم يكن الحل العاجل انتظار إصلاح الشبكة الكهربائية كاملة. دعمت اليونيسف توفير وقود لتشغيل المولدات الاحتياطية، إلى جانب مواد تنقية المياه اللازمة لاستمرار توفير مياه آمنة.
هذا تدخل طارئ. هدفه إبقاء الخدمة قائمة في ظروف غير مستقرة.
لكنه لا يعني أن المشكلة حُلّت نهائيًا. فالاعتماد المستمر على مولدات تحتاج إلى الوقود يترك الخدمة معرضة لاضطرابات الإمداد وارتفاع التكلفة.
المشكلة الثانية هي استعادة تشغيل الخدمة بقدر أكبر من الاستقرار.
هنا يصبح مثال الكسوة مهمًا. لم يقتصر المشروع على توفير الوقود لتشغيل المضخة مؤقتًا، بل شمل تأهيل البئر وتركيب منظومة طاقة شمسية تساعد على تشغيلها رغم ضعف الكهرباء.
لا يجعل ذلك المشروع مستقلًا عن الصيانة أو الأعطال أو ظروف التشغيل. لكنه يعالج أحد الأسباب التي كانت تمنع وصول المياه، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتيجة انقطاعها.
أما المشكلة الثالثة فهي إعادة بناء النظام على المدى الطويل.
قد تعمل محطة مياه بعد إصلاحها، لكن استمرارها يحتاج إلى فنيين، وقطع غيار، وموارد مالية، وإدارة قادرة على الصيانة والاستجابة للأعطال. وقد تتغير كمية المياه المطلوبة مع عودة سكان نزحوا لسنوات.
لهذا تختلف مهمة إبقاء الخدمة مستمرة هذا الأسبوع عن مهمة ضمان قدرتها على خدمة السكان بعد عشر سنوات.
ليس بالضرورة أن تأتي هذه المراحل واحدة بعد الأخرى. فقد يحتاج مشروع طويل الأمد إلى البدء بينما تستمر إجراءات طارئة في المنطقة نفسها.
المشروع الذي يفتح الطريق لمشروعات أخرى
ما تعلمته من مثال الكسوة هو أن تقسيم أعمال الإعمار إلى قطاعات منفصلة قد يجعلنا نفوّت علاقات مهمة بينها.
يمكن إعداد خطة للكهرباء، وأخرى للمياه، وثالثة للإسكان. لكن المدينة لا تعمل وفق حدود الملفات الإدارية.
تحتاج مضخة المياه إلى مصدر طاقة. وتحتاج المدرسة إلى مياه وصرف صحي كي يستطيع الطلاب استخدامها بصورة آمنة. وقد تحتاج الورش التي تصلح المعدات إلى كهرباء وطرق تسمح بوصول المواد.
وهذا لا يعني أن الكهرباء يجب أن تكون دائمًا أول مشروع نبدأ به.
فيمكن تشغيل بعض المضخات مؤقتًا بمولدات أو بالطاقة الشمسية. وقد يتطلب إصلاح طريق الوصول إلى محطة متضررة تدخلًا قبل وصول المعدات إليها. وتختلف الخيارات بحسب موقع المشروع وحالة الشبكات والموارد المتاحة.
الأولوية ليست ثابتة؛ إنها تعتمد على العلاقة بين المشروعات.
قد يكون إصلاح جزء صغير من شبكة قائمة أكثر فائدة من بناء منشأة جديدة كاملة، إذا أعاد ذلك الجزء تشغيل خدمة يعتمد عليها آلاف الأشخاص. وقد يكون بناء منشأة جديدة ضروريًا في منطقة لا يمكن استعادة شبكتها القديمة أصلًا.
لا يمكن معرفة الإجابة من صور المباني المدمرة وحدها.
نحتاج إلى فهم ما يتصل بكل منشأة، وما يمنع تشغيلها، وما سيحدث إذا تأخر الإصلاح.
ماذا عن البيوت؟
السكن ليس مسألة تأتي بعد الانتهاء من الكهرباء والمياه.
فالعائلة التي لا تملك منزلًا آمنًا قد لا تستطيع العودة إلى مدينتها، حتى لو تحسنت الخدمات. وعودة السكان نفسها تؤثر في تشغيل المدارس والأسواق والمرافق العامة.
لكن إعادة بناء الشقق دون التأكد من قدرة شبكات المياه والصرف والكهرباء على خدمتها قد تنتج مباني جديدة تواجه مشكلات قديمة.
وهناك جانب آخر لا يظهر كثيرًا في صور إعادة الإعمار: تكلفة تشغيل الحي بعد الانتهاء من البناء.
من سيدفع تكاليف ضخ المياه؟ هل تستطيع الشبكة تحمل زيادة عدد السكان؟ هل يوجد فريق لصيانة الأعطال؟ وهل يمكن للناس الوصول إلى العمل والمدارس والمراكز الصحية دون رحلات مرهقة؟
هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بحساب عدد الشقق المبنية.
في أبريل 2026، وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 225 مليون دولار لمشروعين يتعلقان بخدمات المياه والصحة في سوريا. وشمل المكون الخاص بالمياه، بقيمة 150 مليون دولار، أعمالًا تستهدف تأهيل منشآت لنقل المياه ومعالجتها في مناطق منها إدلب وحمص وحماة، إلى جانب أعمال للصرف الصحي في دمشق.
التمويل قرار بتنفيذ مشروعات، وليس دليلًا على اكتمالها أو تحقق نتائجها. لكن طبيعة الأعمال المعلنة تكشف أن استعادة الخدمات لا تتوقف عند بناء منشأة واحدة؛ فهي تشمل أجزاء مختلفة من الشبكات التي تنقل الخدمة إلى الناس.
وقدّر البنك الدولي أن أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه ونحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي تعرضت لأضرار شديدة.
مع هذا الحجم من الضرر، تصبح طريقة ربط المشروعات بعضها ببعض جزءًا من عملية الإصلاح نفسها.
ربما يكون أصعب قرار في إعادة الإعمار هو اختيار ما يستحق التمويل الآن، وما الذي يمكن أن ينتظر، وما الذي سيتوقف إذا أخطأنا في ترتيب الأولويات.
وفي الكسوة، كانت المشكلة واضحة بما يكفي: لن تنفع البئر السكان كثيرًا إن لم تتوافر الطاقة اللازمة لتشغيل مضختها.
أما على مستوى مدينة كاملة، فقد تكون تلك العلاقة موزعة بين عشرات المحطات والخطوط والطرق والمباني، ولا يظهر أثرها إلا حين يتعطل أحدها.