١٩
الرئيسية › حياة الطالب › الطالب المتفوق الذي لا يعرف ماذا يريد
الطالب المتفوق الذي لا يعرف ماذا يريد
حياة الطالب 4 نوفمبر 2026 ٥ دقائق قراءة

الطالب المتفوق الذي لا يعرف ماذا يريد

في المدرسة، هناك طريقة واضحة للحصول على علامة مرتفعة: افهم المطلوب، ادرس جيدًا، وتدرّب على الأسئلة. قد تكون الاختبارات صعبة، لكنك على الأقل

في المدرسة، هناك طريقة واضحة للحصول على علامة مرتفعة: افهم المطلوب، ادرس جيدًا، وتدرّب على الأسئلة. قد تكون الاختبارات صعبة، لكنك على الأقل تعرف ما الذي يُنتظر منك.
ثم تصل إلى مرحلة اختيار التخصص الجامعي، وتكتشف أن أحد أهم قراراتك الدراسية لا يأتي معه نموذج إجابة.
قد يكون معدلك ممتازًا في الرياضيات والأحياء والفيزياء واللغة الإنجليزية. هذه نتيجة رائعة، لكنها لا تختار تخصصك نيابة عنك. بل قد تزيد عدد الخيارات المتاحة أمامك.
وهنا أجد تناقضًا غريبًا: كلما نجحت في إثبات أنك قادر على دراسة أشياء كثيرة، أصبح مطلوبًا منك أن تختار شيئًا واحدًا قبل أن تعرف معظم تلك المجالات من الداخل.
العلامات تجيب عن سؤال: ما الذي تستطيع دراسته؟ لكنها لا تجيب بالضرورة عن سؤال: ما الذي تريد أن تقضي سنواتك في فعله؟
خذ مثلًا طالبًا يحب الرياضيات ويحصل فيها على درجات مرتفعة. يستطيع التفكير في الهندسة، والاقتصاد، والإحصاء، وعلوم الحاسوب. لكن هذه التخصصات لا تستخدم الرياضيات بالطريقة نفسها، ولا تقود إلى نوع واحد من العمل.
قد يكون ما يعجبه في الرياضيات هو حل المسائل التي لها إجابة محددة. وربما يحب بناء النماذج، أو كتابة البرامج، أو فهم العلاقات بين المتغيرات. هذه اهتمامات مختلفة، رغم أنها قد تظهر جميعًا على كشف الدرجات تحت اسم مادة واحدة.
والمشكلة نفسها تظهر مع الأحياء. التفوق فيها لا يعني تلقائيًا أن الطب هو الاختيار المناسب. فالاهتمام بفهم جسم الإنسان يختلف عن الرغبة في التعامل اليومي مع المرضى، ومناوبات العمل، والمسؤوليات التي تحملها المهنة.
لا أقول إن المدرسة مطالبة بمحاكاة جميع الوظائف. هذا مستحيل تقريبًا. لكن يبدو غريبًا أن نقضي كل هذا الوقت في قياس استعداد الطالب للامتحان، ثم نعتمد على قدر محدود جدًا من المعلومات عندما يحين وقت اختيار مساره.

الدرجات لا تجيب عن كل الأسئلة

في تقرير نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2025، استنادًا إلى بيانات PISA 2022، تبيّن أن 39% من الطلاب بعمر 15 عامًا في دول المنظمة لم تكن لديهم خطط مهنية واضحة.
واللافت أن عدم وضوح التوقعات كان أكثر انتشارًا بين أصحاب الأداء الدراسي المنخفض؛ لذلك لا تصلح النسبة دليلًا على أن المتفوقين أكثر حيرة من غيرهم.
لكن التقرير كشف أمرًا آخر يستحق الاهتمام: 35% فقط من الطلاب كانوا قد حضروا معرضًا للوظائف، كما أظهرت النتائج وجود فجوات واسعة في استعداد الطلاب لفهم الخيارات المهنية المتاحة لهم.
قد نكون جيدين جدًا في الاستعداد لاختبار قادم، وأقل استعدادًا لفهم ما تعنيه وظيفة سنقضي فيها جزءًا كبيرًا من حياتنا.
أحيانًا نظن أننا نعرف التخصص لأننا نعرف اسمه.
علوم الحاسوب تعني البرمجة، والاقتصاد يعني الأسواق، والهندسة تعني التصميم، والقانون يعني المحاكم.
لكن هذه اختصارات كبيرة.
يمكن لطالب أن يحب تصميم تطبيق بسيط، ثم يكتشف أن دراسته الجامعية تتضمن قدرًا كبيرًا من الخوارزميات والرياضيات النظرية. ويمكن لآخر أن يختار الاقتصاد لأنه يتابع الأخبار المالية، دون أن يتوقع حجم العمل الإحصائي الذي قد تتطلبه الدراسة.
ليس في هذه الاكتشافات ما يجعل التخصص سيئًا. بل قد يزيد اهتمام الطالب به عندما يفهمه أكثر. المشكلة أن الاختيار يحدث أحيانًا قبل تلك المعرفة، لا بعدها.
لهذا أعتقد أن سؤال «ما التخصص الذي تحبه؟» يُطرح مبكرًا أكثر مما ينبغي.
كيف يمكنني أن أحب شيئًا لا أعرف منه إلا اسمه وبعض المقررات المدرسية المرتبطة به؟

كيف نتعرف إلى الخيارات؟

قد يكون السؤال الأفضل: «ما الذي تعرفه فعلًا عن هذا التخصص، وما الذي تحتاج إلى اكتشافه قبل أن تختاره؟»
هناك فرق بين السؤالين.
الأول يفترض أن لديك شغفًا واضحًا ينتظر أن تكتشفه. الثاني يعترف بأن الاهتمامات يمكن أن تتطور عندما تحصل على معلومات وتجارب جديدة.
وإذا أردنا اختبار اهتمامنا بمجال ما، فمشاهدة فيديو تعريفي عنه لا تكفي غالبًا. قد يكون من المفيد قراءة مقرراته الجامعية، والحديث مع طالب يدرسه، أو تجربة مشروع صغير يكشف شيئًا من طبيعة العمل فيه.
وليس الهدف أن نعرف كل شيء قبل اتخاذ القرار. لا أحد يستطيع ذلك. الهدف أن نعرف أكثر مما يخبرنا به اسم التخصص أو درجتنا في مادة مرتبطة به.
هناك أيضًا مشكلة في النصيحة الشهيرة: «اختر ما تحبه».
بعض الطلاب يستطيعون المفاضلة بحرية كبيرة نسبيًا. وآخرون يفكرون في الرسوم الجامعية، والمنح، وبعد الجامعة عن أسرهم، وفرص العمل، وما إذا كانت عائلاتهم تستطيع تحمل تكلفة تغيير التخصص لاحقًا.
هذه ليست اعتبارات ثانوية أو دليلًا على ضعف الطموح. إنها جزء من القرار نفسه.
وقد يكون اختيار التخصص الذي لا يحتل المرتبة الأولى في قائمة اهتماماتك قرارًا معقولًا إذا أتاح لك الدراسة بمنحة، أو خفّض العبء المالي على أسرتك، أو فتح مسارًا مهنيًا مناسبًا.
ما يزعجني هو أننا نتعامل أحيانًا مع اختيار التخصص كما لو أنه اختبار أخير للشخصية: الطالب الواثق يعرف ماذا يريد، والمتردد لم يكتشف نفسه بعد.
لكن الثقة لا تعني دائمًا امتلاك معلومات أفضل. أحيانًا يكون الشخص الذي يسأل أكثر هو الذي بدأ يدرك تعقيد القرار.
وأحيانًا أخرى، يكون الطالب الواثق محقًا فعلًا. ليس كل اختيار سريع اختيارًا سيئًا، كما أن التردد الطويل لا يضمن الوصول إلى قرار أفضل.
ربما ما نحتاج إليه في المرحلة المدرسية ليس المزيد من الحديث عن أهمية اختيار المستقبل، بل فرص أكثر لاكتشاف ما تعنيه الخيارات أصلًا.
يمكن للمدرسة أن تقيّم قدرتك على حل مسألة في الفيزياء بدقة كبيرة. لكنها لا تستطيع أن تستنتج من تلك الإجابة وحدها إن كنت ستستمتع بالعمل مهندسًا.
ومن الغريب أن نطلب من الطالب أن يكون متأكدًا من قراره المهني، بينما قد لا نكون قد منحناه فرصة حقيقية لاختبار الخيارات التي نريد منه المفاضلة بينها.

الكاتب

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *