تخيّل شارعًا فيه ثلاثة مقاهٍ متجاورة. الأول اسمه «قهوة الحارة»، والثاني «كافيه مودرن»، والثالث يحمل اسم صاحبه.
المقاهي الثلاثة قد تبيع القهوة نفسها تقريبًا، لكن أسماءها تعطي انطباعات مختلفة حتى قبل أن ندخل إليها.
الأول يذكّرنا بمكان قريب من الناس، والثاني يحاول أن يبدو حديثًا، أما الثالث فيجعل صاحب المقهى جزءًا من هويته.
هذه أسماء افتراضية، لكن الفكرة يمكن ملاحظتها في شوارع كثيرة: أصحاب المحلات لا يختارون كلمات للافتاتهم فقط، بل يختارون الطريقة التي يريدون أن يتذكرهم الناس بها.
بعض الأسماء مرتبطة بالمدينة أو الحي. نقرأ اسم منطقة، أو عائلة، أو كلمة مألوفة في اللهجة المحلية. تجعلنا هذه الأسماء نشعر بأن المحل ينتمي إلى المكان.
وهناك أسماء تستخدم كلمات أجنبية، حتى عندما يكون المحل موجهًا إلى زبائن يتحدثون العربية. ربما يختارها صاحب المحل لأنها قصيرة أو لأنها تناسب نوع المنتجات التي يبيعها أو الشكل الذي يريده لعلامته التجارية.
لكن الاسم الأجنبي لا يعني بالضرورة أن المحل أفضل أو أحدث، كما أن الاسم العربي لا يعني أن صاحبه يهتم بالتقاليد أكثر من غيره. نحن نقرأ انطباعات من اللافتات، ولا نعرف دائمًا نيات أصحابها.
أكثر ما يثير فضولي هو الأسماء التي تعد الزبون بشيء.
قد يسمى متجر «التوفير»، أو «السرعة»، أو «الفخامة». الاسم هنا يشبه إعلانًا صغيرًا لا يحتاج إلى جملة كاملة.
إذا دخلت متجرًا اسمه «التوفير»، فسأتوقع أسعارًا مناسبة. وإذا كان اسمه مرتبطًا بالفخامة، فسأتوقع شكلًا مختلفًا للمنتجات والمكان.
وقد تنجح اللافتة في صنع هذا التوقع حتى قبل أن نرى ما يُباع خلفها.
تتغير أسماء المحلات أيضًا عندما تتغير الشوارع. قد يختفي اسم محل ظل الناس يعرفونه لسنوات، وتظهر مكانه لافتة جديدة بكلمات مختلفة تمامًا.
لا أظن أن هذا يعني دائمًا أن هوية المدينة تتغير. فالمدن تتغير باستمرار، وتأتي إليها أعمال وأفكار جديدة. لكن اللافتات تحتفظ أحيانًا بتفاصيل عن أحيائها وسكانها لا ننتبه إليها إلا بعد اختفائها.
يمكن تجربة شيء بسيط: اختر شارعًا تعرفه، وسجّل أسماء عشرة محلات فيه. كم اسمًا يشير إلى شخص أو عائلة؟ كم اسمًا يصف المنتج؟ وكم اسمًا يستخدم كلمات عربية أو أجنبية؟
لن تكون عشر لافتات كافية للحكم على مدينة كاملة. لكنها قد تجعلك تنتبه إلى اختلافات لم تكن تراها وأنت تمر بالشارع كل يوم.
وقد تكتشف أن أكثر اسم لفت انتباهك ليس اسم أشهر محل، بل اسم محل صغير لم تفكر من قبل في سبب تسميته.