علبة حليب بريال واحد في بقالة الحي، و850 بيسة في السوبرماركت. الشركة نفسها، والحجم نفسه، لكن الفرق 150 بيسة.
ليس مبلغًا كبيرًا إذا كنت تحتاج إلى علبة واحدة. أما إذا كانت معظم مشترياتك أغلى بالنسبة نفسها، فستلاحظ الفرق في نهاية الشهر.
الغريب أن هذا لا يمنعنا من الشراء من البقالات. نعرف أن الأسعار قد تكون أقل في مكان آخر، ومع ذلك نعود إلى المتجر القريب.
في البداية يبدو الأمر مجرد تنازل عن بعض المال مقابل الراحة. لكن عند النظر إلى طريقة عمل المتجرين، يتضح أن اختلاف الأسعار ليس بهذه البساطة.
ما الذي يحصل عليه السوبرماركت ولا تحصل عليه البقالة؟
لنبدأ من المورد.
إذا طلب سوبرماركت عشرة آلاف علبة من منتج معين، بينما طلبت بقالة مئة علبة، فقد يستطيع المورد تقديم سعر أقل للطلبية الكبيرة. هناك تكاليف للنقل والتجهيز وإدارة الطلبات، وبعضها يصبح أقل بالنسبة إلى كل وحدة عندما تزيد الكمية.
كما أن المتجر الكبير يملك قدرة تفاوضية أكبر، وقد يحصل على خصومات أو شروط دفع لا يستطيع صاحب بقالة مستقلة الحصول عليها.
هذا ليس مجرد افتراض اقتصادي. ففي دراسة نُشرت عام 2000 عن متاجر المواد الغذائية في فنلندا، وجد الباحث أن المتاجر الكبيرة تمتعت في المتوسط بتكاليف أقل بنحو 10% لكل وحدة مباعة، وكانت أسعارها أقل بنسبة قريبة من ذلك أيضًا.
لكن من الخطأ تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة تقول إن المتجر الأكبر سيبيع دائمًا بسعر أقل. فالدراسة تتعلق بسوق معين في فترة معينة، وحجم المتجر ليس العامل الوحيد الذي يحدد السعر.
هناك أيضًا نوع المنافسة التي يواجهها. فالسوبرماركت الموجود في منطقة تضم عدة متاجر قد يتصرف بطريقة مختلفة عن متجر كبير لا يملك السكان بديلًا قريبًا عنه.
وقد ظهرت أهمية القدرة التفاوضية بوضوح خلال اضطرابات سلاسل الإمداد في جائحة كورونا. ففي تقرير أصدرته لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية عام 2024، تبيّن أن بعض الشركات الكبيرة تمكنت من الحصول على أولوية في الإمدادات، بينما واجهت متاجر أصغر صعوبات أكبر في توفير البضائع.
إذن، عندما نرى منتجًا بسعرين مختلفين، فقد يكون أحد التاجرين قد دفع للمورد سعرًا أعلى قبل أن يضيف أي ربح.
ربح أكبر من العلبة، لكن ليس بالضرورة من المتجر
لنفترض أن صاحب بقالة اشترى علبة حليب بـ800 بيسة وباعها بريال واحد.
كيف تختلف حسابات البقالة؟
الفرق 200 بيسة. هذا ليس صافي الربح، بل المبلغ المتبقي من البيع بعد خصم تكلفة شراء العلبة، وقبل احتساب الإيجار والكهرباء والعمالة وبقية المصروفات.
أما السوبرماركت فقد يشتري العلبة بـ700 بيسة ويبيعها بـ850 بيسة. يحصل هنا على 150 بيسة فقط من كل علبة.
للوهلة الأولى، يبدو أن البقالة تربح أكثر. لكن ماذا يحدث إذا باعت البقالة 30 علبة في اليوم، وباع السوبرماركت 200 علبة؟
البقالة السوبرماركت
تكلفة شراء العلبة 800 بيسة 700 بيسة
سعر البيع 1,000 بيسة 850 بيسة
هامش الربح الإجمالي للعلبة 200 بيسة 150 بيسة
عدد العلب المباعة يوميًا 30 200
الربح الإجمالي اليومي من الحليب 6 ريالات 30 ريالًاهذه أرقام افتراضية لتوضيح الفكرة، وليست أسعارًا رُصدت في متاجر عُمانية.
لم نثبت بهذا الحساب أن السوبرماركت أكثر ربحية. فقد تكون مصروفاته أكبر بكثير أيضًا، ولا يمكن تقييم متجر كامل من مبيعات منتج واحد.
لكننا فهمنا شيئًا عن المشكلة التي يواجهها صاحب البقالة: إذا خفّض هامشه إلى النصف، فسيحتاج إلى مضاعفة عدد العلب المباعة حتى يحافظ على إجمالي الربح نفسه من ذلك المنتج.
وليس من السهل أن يضاعف متجر صغير مبيعاته لمجرد أنه خفّض السعر. عدد الزبائن في الحي محدود، وكذلك المساحة التي يمكن استخدامها للتخزين والعرض.
لهذا قد يجد صاحب البقالة نفسه أمام خيار صعب: سعر منخفض لا يبيع به كمية كافية، أو سعر أعلى يخاطر معه بخسارة بعض الزبائن.
لماذا ندفع الفرق ونحن نعرف أنه موجود؟
تخيل أنك تحتاج إلى الحليب في العاشرة مساءً. البقالة على بعد دقيقتين سيرًا على الأقدام، والسوبرماركت على بعد عشرين دقيقة بالسيارة.
لماذا يختار المشتري المتجر الأقرب؟
ستوفر 150 بيسة إذا اخترت السوبرماركت. لكن هل تستحق هذه العلبة وحدها رحلة أطول؟
ربما لا.
وهذا لا يعني أنك لا تهتم بالمال. ما يحدث أنك تحسب تكلفة أخرى إلى جانب السعر، حتى لو لم تكتبها على ورقة: وقتك، والوقود، والجهد الذي ستبذله للحصول على المنتج.
قد تكون البقالة أغلى في السعر، لكنها أقل تكلفة بالنسبة إليك في تلك اللحظة.
أما إذا كنت ذاهبًا أصلًا إلى السوبرماركت لشراء حاجيات الأسبوع، فالحساب يتغير. لن تتحمل رحلة إضافية من أجل العلبة، وقد يصبح فرق السعر سببًا كافيًا لشرائها هناك.
نحن هنا لا نقارن متجرين يقدمان الخدمة نفسها تمامًا. أحدهما مناسب للمشتريات الكبيرة المخطط لها، والآخر للمشتريات السريعة والقريبة.
لكن هناك مشكلة في هذا التفسير: إنه يفترض أن لدينا حرية الاختيار.
عندما يكون السعر الأرخص بعيدًا أكثر مما ينبغي
بالنسبة إلى شخص يمتلك سيارة، يستطيع الذهاب إلى عدة متاجر، وقد يشتري احتياجات أسبوع كامل في زيارة واحدة. أما من لا يمتلك وسيلة نقل، أو لا يستطيع دفع ثمن مشتريات كبيرة دفعة واحدة، فخياراته أضيق.
قد يعرف هذا الشخص جيدًا أن السوبرماركت أرخص. المشكلة ليست في معرفته، بل في قدرته على الاستفادة من السعر.
هذه ليست مجرد حالة افتراضية. ففي دراسة نُشرت عام 2017، قارن باحثون أسعار 15 مادة غذائية أساسية في 140 متجرًا صغيرًا في منطقتي مينيابوليس وسانت بول بالولايات المتحدة، بأسعار أقرب المتاجر الكبيرة إليها.
كانت معظم المواد المدروسة أغلى في المتاجر الصغيرة بنسب تراوحت بين 10% و54%. ولم يظهر الخبز الأبيض فرقًا مماثلًا.
الدراسة لا تخبرنا عن الأسعار في عُمان، ولا تعني أن كل بقالة أغلى من كل سوبرماركت. لكنها تقدم مثالًا على أن اختلاف نوع المتجر قد يرتبط بفروق سعرية واضحة.
ومن المهم هنا الانتباه إلى شيء آخر: الأسر التي تشتري بكميات صغيرة ومتكررة قد لا تستفيد من الخصومات المرتبطة بالعبوات الكبيرة أو الشراء بالجملة.
فقد يمتلك شخص ما يكفي لشراء احتياجات اليوم، لكن ليس ما يكفي لشراء حاجيات الشهر. وحين يضطر إلى تكرار الشراء، يمكن أن ترتفع التكلفة التي يتحملها على المدى الطويل.
هذا لا يحدث في جميع الحالات، لكنه يكشف أن الحصول على السعر الأفضل قد يحتاج إلى موارد مسبقة: مال متاح، ووسيلة نقل، ومساحة تخزين، ووقت.
وهي موارد لا تتوافر للجميع بالقدر نفسه.
وما مصير بقالة الحي؟
من الصعب تخيل حي سكني بلا متجر صغير قريب. فليس من العملي أن يذهب الجميع إلى السوبرماركت كلما احتاجوا إلى خبز أو حليب أو بطاريات.
لكن وجود البقالة لا يجعل جميع أسعارها مبررة، كما أن انخفاض أسعار السوبرماركت لا يعني أن الشركات الكبيرة أفضل للمستهلك في كل الظروف.
يتوقف الأمر على تكاليف التشغيل، والمنافسة، والموقع، وقدرة الناس على الوصول إلى البدائل.
بالنسبة إلى صاحب البقالة، ربما يكون الأهم أن يعرف ما يحتاجه سكان الحي فعلًا، بدل محاولة منافسة السوبرماركت في كل صنف. فالمنتجات التي تبقى على الرفوف مدة طويلة تستهلك مساحة ومالًا، وقد تنتهي صلاحية بعضها قبل البيع.
وبالنسبة إلى المشتري، يمكن أن يكون التخطيط للمشتريات الكبيرة وسيلة لتوفير المال، بينما تظل البقالة خيارًا عمليًا للحاجات السريعة.
ومع ذلك، لا يملك كل شخص فرصة الاختيار بينهما.
هذه هي النقطة التي تجعل المقارنة بين الأسعار أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه: قد تجد أرخص علبة حليب في المدينة، لكن معرفة سعرها لا تفيدك كثيرًا إن كانت تكلفة الوصول إليها أكبر من المبلغ الذي ستوفره.