«هذه وجهة نظري، وعليك احترامها».
أحترم حق أي شخص في التعبير عن رأيه. لكنني لا أعتقد أن احترامه يفرض عليّ قبول المعلومات التي يستخدمها للدفاع عنه.
إذا قال أحدهم إن قرارًا حكوميًا صدر في تاريخ معين، فهذا ادعاء يمكن التحقق منه. وإذا قال إن القرار كان عادلًا أو ظالمًا، فنحن أمام نقاش مختلف. قد نتفق على ما حدث، ونختلف على تقييمه.
المشكلة أن النقاشات على الإنترنت تخلط بين الأمرين باستمرار. تتحول معلومة خاطئة إلى «وجهة نظر»، ويصبح طلب المصدر محاولة لإسكات الطرف الآخر، وكأن كل ما يقوله الإنسان يستحق النوع نفسه من الاحترام لمجرد أنه قاله.
هذا ليس انفتاحًا على الآراء المختلفة. إنه تخلٍّ عن التمييز بين الرأي والدليل.
عندما يغيّر عنوان صغير معنى حدث كامل
في 5 مايو 2023، أعلنت منظمة الصحة العالمية انتهاء حالة طوارئ الصحة العامة ذات الاهتمام الدولي المتعلقة بكوفيد-19.
لم تعلن اختفاء الفيروس، ولا توقفه عن تشكيل خطر صحي. بل قال مديرها العام في اليوم نفسه إن انتهاء حالة الطوارئ العالمية لا يعني انتهاء كوفيد-19 بوصفه تهديدًا صحيًا.
هذا الفرق ليس تفصيلًا لغويًا.
العبارة الأولى تتعلق بتصنيف رسمي لحالة صحية دولية وفق اللوائح الصحية. أما القول إن المرض انتهى، فهو ادعاء مختلف تمامًا.
يمكن لشخص أن يرى أن إنهاء حالة الطوارئ كان القرار الصحيح، بينما يعتقد آخر أن المنظمات الصحية كان ينبغي أن تتحرك بحذر أكبر. كلاهما يناقش قرارًا يمكن تقييمه بطرق مختلفة.
لكن إذا بدأ النقاش على أساس أن منظمة الصحة العالمية أعلنت انتهاء المرض نفسه، فقد تغيّرت الواقعة التي يدور حولها الخلاف.
لا أزعم هنا أن هذا المثال يثبت كيف فهم جميع مستخدمي الإنترنت الإعلان أو تداولوه. ما يثبته البيان الأصلي هو أن هناك فرقًا واضحًا بين مضمون القرار وبين التفسير الأوسع الذي قد يُنسب إليه.
وأعتقد أن هذا النوع من الفروق يستحق اهتمامًا أكبر مما نعطيه عادةً لعناوين الأخبار.
فقد يكون الجزء الأكثر تأثيرًا في أي نقاش هو الجملة التي لم يتوقف أحد للتحقق منها.
ليست الخوارزمية هي من يقرر ما نصدقه
أصبح لوم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تفسيرًا جاهزًا لأي خلاف حاد على الإنترنت.
تُظهر لنا المنصات محتوى يشبه اهتماماتنا، وتعيد تقديم ما يجذب انتباهنا، وقد تجعل بعض الأخبار أكثر حضورًا من غيرها. هذا جزء حقيقي من المشكلة.
لكنني أعترض على الفكرة التي تختصر اختلافنا كله في أن كل شخص محبوس داخل فقاعة صنعها له التطبيق.
في دراسة نُشرت في مجلة Science عام 2023، حلل الباحثون بيانات تعرض 208 ملايين مستخدم أمريكي على فيسبوك للأخبار السياسية خلال انتخابات 2020.
قارنوا بين الأخبار التي كان من الممكن أن يشاهدها المستخدمون، والأخبار التي ظهرت لهم بعد ترتيب المنصة، ثم الأخبار التي اختاروا التفاعل معها.
وجدوا أن الفصل بين الجمهور ذي التوجهات السياسية المختلفة كان مرتفعًا، وأنه ازداد من مرحلة المحتوى المتاح إلى المحتوى المعروض، ثم إلى المحتوى الذي حدث معه تفاعل فعلي.
لا تكشف هذه البيانات نيات كل مستخدم، ولا تستطيع وحدها تحديد مقدار المسؤولية الذي يتحمله الفرد مقارنة بالمنصة. لكنها تكشف أن ما نراه ليس مطابقًا بالضرورة لما نتوقف عنده أو نتفاعل معه.
وهناك نتيجة أخرى في الدراسة لا يجوز تجاهلها باسم التوازن: رصد الباحثون تفاوتًا بين المعسكرين السياسيين الأمريكيين، ووجدوا أن جانبًا كبيرًا من المعلومات المضللة التي حددها برنامج التحقق التابع لميتا كان متركزًا في جزء متجانس من الجمهور المحافظ، دون وجود جزء مماثل لدى الجمهور الليبرالي في العينة المدروسة.
هذه نتيجة عن بيئة سياسية أمريكية محددة، لا حكم على جميع المحافظين أو الليبراليين في العالم. لكنها تذكّرنا بأن اختلاف مصادر المعلومات ليس دائمًا متناظرًا، وأن محاولة توزيع اللوم بالتساوي قد تخفي ما تقوله الأدلة فعلًا.
تغيير ما نراه لا يضمن تغيير ما نعتقده
من أكثر النصائح التي تتكرر في الحديث عن الاستقطاب أن نتابع أشخاصًا يختلفون معنا، أو نطلب من المنصات عرض الأخبار دون تدخل الخوارزميات.
لا أرى هذه النصائح عديمة الفائدة. لكن الوعود التي تُقدَّم باسمها أكبر أحيانًا مما نعرف أنها تستطيع تحقيقه.
في تجربة ميدانية نُشرت في Science عام 2023، نقل باحثون مستخدمين وافقوا على المشاركة إلى صفحات أخبار مرتبة زمنيًا، بدل الترتيب الخوارزمي المعتاد في فيسبوك وإنستغرام.
تغيرت تجربتهم على المنصتين، وانخفض الوقت الذي قضوه عليهما، كما تغيرت أنواع المحتوى التي ظهرت أمامهم. لكن التجربة، التي استمرت ثلاثة أشهر، لم تجد تغيرًا ذا دلالة إحصائية في مقاييس رئيسية للاستقطاب والمواقف والمعرفة السياسية.
وفي تجربة أخرى نشرتها Nature عام 2023، خفّض الباحثون تعرض مجموعة من مستخدمي فيسبوك الأمريكيين لمصادر تشاركهم توجهاتهم السياسية بنحو الثلث. ازداد تعرضهم لمصادر مختلفة، لكن لم تظهر تغيرات قابلة للقياس في ثمانية مؤشرات للمواقف السياسية حددها الباحثون مسبقًا.
هذه النتائج لا تعني أن الخوارزميات بريئة، أو أن تغييرها لن يترك أثرًا على المدى الطويل، أو أن النتائج تنطبق على جميع المنصات والمجتمعات.
لكنها تجعل تفسيرًا واحدًا أقل إقناعًا: أن آراء الناس ستتغير تلقائيًا إذا عرضنا أمامهم منشورات مختلفة.
فالإنسان لا يستقبل كل معلومة كأنها تدخل إلى دفتر فارغ. لديه معرفة سابقة، وثقة بمصادر معينة، وعلاقات، وقيم، وأحيانًا مصالح ترتبط بالموقف الذي يتبناه.
وبعض هذه الأشياء لا يتغير بسهولة بمجرد تغيير ترتيب المنشورات.
لا أطالب الناس بالتخلي عن مواقفهم
قد يبدو موقفي دعوة إلى الشك المستمر في كل شيء. لكنه ليس كذلك.
لا يحتاج الإنسان إلى إعادة البحث من البداية في كل خبر يقرأه. ومن الطبيعي أن يعتمد على مصادر اكتسب ثقته بها، وأن تكون له قناعات قوية في قضايا تهمه.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة إلى سبب لخفض معايير التحقق.
نطلب الدليل المفصل من الشخص الذي نختلف معه، ثم نكتفي بعنوان أو مقطع قصير إذا كان يؤيد موقفنا.
وقد نقرأ الخبر في خمسة حسابات ونعتقد أننا رأينا خمسة مصادر، مع أن الحسابات الخمسة ربما نقلت جميعها عن منشور واحد لم يتحقق منه أحد.
التكرار لا يحوّل الادعاء إلى دليل مستقل.
أفضّل نقاشًا يقول فيه الطرفان بوضوح: هذه الواقعة موثقة، وهذه النقطة ما زالت محل خلاف، وهذا حكمي الشخصي عليها.
لن يجعل ذلك الناس متفقين بالضرورة. ولا ينبغي أن يكون الاتفاق هو الهدف من كل نقاش.
فهناك خلافات حقيقية تتعلق بالعدالة والحقوق والمصالح، وقد تستمر حتى لو عرف الطرفان الوقائع نفسها بدقة.
لكن لا ينبغي وضع هذه الخلافات في السلة نفسها مع الادعاءات التي يمكن اختبار صحتها.
إذا أخطأنا في معلومة، يمكن تصحيحها. أما إذا اختلفنا بشأن ما ينبغي فعله بعد معرفة المعلومة، فلدينا نقاش آخر يستحق أن نخوضه.
وأرفض أن يصبح طلب التصحيح اعتداءً على حرية التعبير.
من حق أي شخص أن يتمسك برأيه. ومن حقي أن أسأله من أين جاء بالمعلومة التي بنى عليها ذلك الرأي.