سأفعلها لاحقًا.
ربما تكون واحدة من أكثر الجمل التي نكررها لأنفسنا، بحيث نعرف أن علينا إنهاء العمل، الدراسة، أو الرد على رسالة مهمة، ولكننا نؤجل البداية مرة بعد أخرى، ثم كلما اقترب الموعد النهائي، ارتفع التوتر وبدأنا العمل بسرعة، ثم نتساءل في النهاية لماذا لم أفعل ذلك منذ البداية؟
قد يبدو التسويف كأنه مشكلة في إدارة الوقت أو نقص في الانضباط، لكن الأبحاث النفسية تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا، حيث إننا لا نؤجل دائمًا لأننا لا نعرف القيمة في ما ينبغي فعله، وإنما لأن المهمة نفسها قد تجعل الحاضر أقل راحة.
إذن؛ لماذا ننتظر حتى اللحظة الأخيرة؟
لا يرتبط الأمر بسبب واحد؛ لأن التسويف قد يبدأ من نفورنا من المهمة، أو بحثنا عن راحة فورية، أو خوفنا من النتيجة، فيما يلي أبرز الأسباب التي تجعلنا نؤجل ما نعرف أننا نحتاج إلى إنجازه.
المهمة المزعجة تجعل التأجيل أكثر سهولة
من أكثر التفسيرات وضوحًا للتسويف أن بعض المهام ببساطة غير محببة، إذ قد تكون مملة، صعبة، غامضة، أو تتطلب مجهودًا ذهنيًا كبيرًا، وعندما تكون أمامنا مهمة من هذا النوع، يصبح الانتقال إلى نشاط أسهل وأكثر متعة مغريًا جدًا.
وفي تحليل تلوي واسع عن طبيعة التسويف وأسبابه، راجع عالم النفس بيير ستيل نتائج عدد كبير من الدراسات، واستند التحليل إلى 691 ارتباطًا بحثيًا، إذ وجد أن النفور من المهمة، تأخر المكافأة، انخفاض إحساس الكفاءة الذاتية، والاندفاعية من العوامل المرتبطة بالتسويف بصورة أكثر اتساقًا.
وبمعنى آخر، قد لا تكون المشكلة في أننا لا نريد إنجاز المهمة، وإنما في أننا لا نريد الشعور المصاحب لإنجازها الآن.
الراحة الآن أهم من المكافأة البعيدة
تخيل أن أمامك تقريرًا يجب تسليمه بعد أسبوع، فإذا بدأت اليوم ستبذل جهدًا ثم تحصل على نتيجة جيدة بعد عدة أيام، أما إذا شاهدت مسلسلًا أو قمت بتصفح هاتفك الآن، فستحصل على شيء آخر فورًا؛ وهو شعور بالراحة والمتعة.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في التسويف، إذ إن الخيار الذي يريحنا الآن قد يكون هو نفسه الخيار الذي يجعل حياتنا أصعب لاحقًا.
لهذا ركز الباحثان فوشيا سيروا وتيموثي بيتشل على هذا الجانب تحديدًا في دراسة عن التسويف وتنظيم المشاعر وإصلاح المزاج على المدى القصير، حيث يقترحان أن التأجيل قد يعمل أحيانًا كوسيلة للتخلص مؤقتًا من مشاعر غير مريحة مرتبطة بالمهمة، مثل القلق أو الملل أو الإحباط.
لذلك عندما يقول شخص سأبدأ غدًا، فقد يكون ما يفعله فعليًا هو اختيار شعور أفضل الآن، وترك المشكلة للنسخة المستقبلية من نفسه.
الموعد النهائي يغير طريقة إدراكنا للمهمة
عندما يكون الموعد بعيدًا تبدو تكلفة التأجيل صغيرة ويمكن أن نقول ما زال أمامي أسبوع، لكن عندما لا يتبقى سوى ساعات، تختفي مساحة التأجيل، وتصبح المهمة هي الشيء الأكثر إلحاحًا أمامنا.
وهذا يفسر التجربة المألوفة التي يمر بها كثيرون؛ شخص يؤجل كتابة المقال عدة أيام، ثم ينجز الجزء الأكبر منه في ليلة واحدة.
لا يعني ذلك أن الضغط هو الطريقة المثالية للعمل، إنما أن اقتراب الموعد النهائي يجعل العواقب أكثر وضوحًا ويزيد من إلحاح المهمة.
أحيانًا يكون الخوف جزءًا من المشكلة
ليست كل المهام المزعجة مملة، ولكن بعضها يضعنا أمام احتمال الفشل.
فعندما تكون النتيجة مهمة بالنسبة لنا، قد يصبح البدء نفسه مصدرًا للقلق؛
- ماذا لو لم يكن العمل جيدًا؟
- ماذا لو اكتشفت أنني لا أستطيع إنجازه؟
- ماذا لو لم أصل إلى المستوى الذي أتوقعه من نفسي؟
في هذه الحالة، يمنح التأجيل مهربًا مؤقتًا من مواجهة هذه الأسئلة.
وهنا يمكن فهم التسويف باعتباره أكثر من مجرد مشكلة في تنظيم الوقت، فهو قد يتداخل مع الطريقة التي نتعامل بها مع المشاعر الصعبة أثناء محاولة تحقيق أهدافنا، بما يوافق الأبحاث التي تناولت العلاقة بين التسويف وتنظيم الانفعالات.
عندما تكون المهمة غير واضحة، يصبح البدء أصعب
هناك سبب آخر أقل وضوحًا، وهو عدم معرفة نقطة البداية، فمثلًا عبارة “أنجز المشروع” تبدو بسيطة، ولكنها ليست خطوة واحدة، إنها مجموعة من الخطوات التي لم نحددها بعد.
فكلما كانت المهمة غامضة، أصبح من الصعب تخيل البداية، وقد يتحول التفكير فيها إلى مصدر ضغط بحد ذاته، لذا عندها يبدو تصفح الهاتف أو القيام بمهمة صغيرة أخرى أكثر سهولة.
هل التسويف مشكلة منتشرة فعلًا؟
نعم، لكن من المهم التمييز بين تأجيل مهمة من وقت لآخر وبين التسويف المزمن الذي يصبح نمطًا متكررًا ومؤثرًا في الحياة.
وفي دراسة نُشرت عام 2024 في دورية Psychiatric Quarterly، حاول الباحثون قياس انتشار التسويف لدى البالغين الإيرانيين، من خلال استبيان إلكتروني شارك فيه 2,076 شخصًا بالغًا، ثم وجد الباحثون أن 15.4% من المشاركين قد استوفوا معايير التسويف المستخدم في الدراسة.
ولكن هذه النسبة لا تعني أن 15.4% من كل البالغين حول العالم يعانون التسويف المزمن، ولا تمثل بالضرورة جميع الإيرانيين، فالعينة كانت عينة ملائمة من السكان البالغين، حيث اعتمدت الدراسة على إجابات المشاركين عن أنفسهم، لذلك يمكن استخدام الرقم للدلالة على أن التسويف ظاهرة موجودة على نطاق ملحوظ، ليس باعتباره نسبة عالمية ثابتة.
ولكن كيف نتغلب على التسويف؟
إذا كانت المشكلة أن المهمة تبدو كبيرة، يمكنك تقسيمها إلى خطوات صغيرة بدل النظر إليها كشيء واحد يحتاج إلى إنجاز كامل، وإذا كان الخوف من النتيجة هو ما يؤخر البداية، قد يكون من المفيد السماح لأنفسنا بإنجاز نسخة أولى غير مثالية، ثم تحسينها لاحقًا.
ومن الطرق البسيطة أيضًا أن نحدد الخطوة التالية فقط، بدلًا من التخطيط لإنهاء المهمة كلها، مثل بدلًا من التفكير «علي أن أكتب التقرير»، يمكن أن تكون البداية «سوف أفتح الملف وأكتب أول فقرة»، هذه البداية الصغيرة تقلل الحاجز النفسي أمام المهمة، وقد تجعل الاستمرار أسهل.
كما يساعد وضع موعد قريب وواقعي في تقليل مساحة التأجيل، لكن الهدف ليس خلق ضغط دائم، وإنما تحويل المهمة من شيء غامض ينتظرنا في المستقبل إلى خطوة محددة يمكن البدء بها الآن.
وكذلك من المهم الانتباه إلى المشاعر المصاحبة للتسويف، فإذا لاحظنا أننا نلجأ إلى الهاتف كلما شعرنا بالقلق من مهمة معينة، فالمشكلة قد لا تكون في الهاتف نفسه، وإنما في الشعور الذي نحاول الهروب منه باستخدامه.
وفي النهاية؛ لا تبدأ معالجة التسويف دائمًا بمحاولة إجبار نفسك على أن تكون أكثر انضباطًا، ولكن أحيانًا تكون البداية الحقيقية في فهم الشيء الذي تحاول أن تهرب منه عندما نقول للمرة العاشرة “سأفعلها لاحقًا”.