كان هناك وقت في اليوم لا يحدث فيه شيء
لا رسالة تنتظر الرد، ولا إشعار يطلب الانتباه، ولا قائمة مقاطع قصيرة تستمر بلا نهاية، ربما كان الشخص يجلس أمام النافذة، يتحدث مع أحد أفراد عائلته، يمشي قليلًا، أو ببساطة يترك الوقت يمر دون أن يشعر بأنه مطالب بفعل شيء.
أما اليوم، فأصبح من الصعب أحيانًا أن نترك دقيقة واحدة فارغة.
ننتظر المصعد فنفتح الهاتف، نجلس في المواصلات فنبحث عن شيء نشاهده، وقبل النوم نقول إننا سنأخذ خمس دقائق على الهاتف، لنكتشف بعدها أن نصف ساعة مرت. لم يختفِ وقت الفراغ، لكن يبدو أن علاقتنا به تغيرت.
فكيف حدث ذلك؟ وهل أصبحنا فعلًا أقل قدرة على تحمل الوقت الذي لا نفعل فيه شيئًا؟
ماذا كان يعني الوقت الفارغ قديمًا؟
لم يكن الفراغ في الماضي بالضرورة شيئًا يجب التخلص منه، لكن كان جزءًا طبيعيًا من إيقاع اليوم، حيث هناك فترات بين العمل والوجبات والمشاوير لا تحتوي على نشاط محدد، ولا تحتاج بالضرورة إلى أن يتم ملؤها بشيء.
وهذا لا يعني أن الحياة قديمًا كانت خالية من الانشغال، أو أن الناس لم يعرفوا الملل، ولكن الفرق أن الملل لم يكن دائمًا يحتاج إلى استجابة فورية.
أما اليوم، فأصبح لدينا عدد لا نهائي تقريبًا من الأشياء التي يمكن الوصول إليها في أي لحظة، يكفي أن نفتح الهاتف حتى نجد رسالة، خبرًا، فيديو، صورة أو محادثة جديدة.
وبالتالي لم يعد الفراغ يعني بالضرورة لا يوجد شيء أفعله، وإنما أصبح يعني أحيانًا لدي عشرات الأشياء التي يمكنني فعلها، لكنني لا أعرف أيها أختار.
كيف ملأت التكنولوجيا المساحة التي كان يشغلها الفراغ؟
غيّرت الهواتف الذكية شكل وقت الفراغ أكثر مما غيّرت مجرد عدد الساعات التي نقضيها في الراحة.
ففي السابق، كان الانتظار يعني الانتظار. أما الآن، فقد أصبح من الممكن تحويل كل لحظة انتظار إلى فرصة لاستهلاك محتوى جديد.
وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD إلى مدى حضور الترفيه الرقمي في حياة الأجيال الأصغر، إذ في بيانات PISA 2022؛ كان المراهقون في دول المنظمة يقضون في المتوسط نحو ساعتين و40 دقيقة يوميًا على الأجهزة، للترفيه خارج المدرسة خلال أيام الدراسة، أيضًا تقترب المدة من أربع ساعات في عطلات نهاية الأسبوع.
وهنا الأرقام تخص المراهقين تحديدًا، ولا يمكن تعميمها على جميع الأعمار، لكنها توضح كيف أصبح الجهاز نفسه جزءًا أساسيًا من طريقة قضاء وقت الفراغ.
هل أصبحنا لا نحتمل الملل؟
ربما ليس لأن الملل أصبح أسوأ، بل لأننا أصبحنا نملك طريقة سريعة جدًا للهروب منه.
في اللحظة التي نشعر فيها بالملل، يمكننا أن ننتقل إلى شيء آخر دون منح الشعور فرصة للاستمرار، مثلًا فيديو بعد فيديو أو منشور بعد منشور، يصبح الانتقال من حالة إلى أخرى أسهل من البقاء في اللحظة نفسها.
لذا قد يبدو الجلوس دون هاتف أكثر غرابة مما كان عليه سابقًا، ليس لأن الإنسان فقد قدرته على الاسترخاء، وإنما لأن الفراغ لم يعد فراغًا حقيقيًا لفترة طويلة.
هل أصبح وقت الفراغ نفسه أكثر ازدحامًا؟
المفارقة أن لدينا اليوم وسائل أكثر للترفيه، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أننا نشعر بفراغ أقل بطريقة مريحة.
فقد نقضي ساعة كاملة على الهاتف ثم نكتشف أننا لم نشعر فعلًا بأننا ارتحنا، إذ أن الترفيه الرقمي لا يأخذ شكلًا واحدًا، فهو قد يكون تواصلًا مع الآخرين، مشاهدة محتوى، لعبًا، أو بحثًا عن معلومات.
وتؤكد OECD أن العلاقة بين استخدام الشاشات والرفاهية ليست بسيطة، حيث إن التأثير يختلف وفق ما نفعله على الأجهزة وكيف نستخدمها وسياق الاستخدام، وليس بمجرد عدد الساعات وحده.
هذا مهم لأن المشكلة ليست أن كل وقت نقضيه أمام الشاشة وقت ضائع، أحيانًا يكون الهاتف وسيلة للتواصل أو الترفيه الحقيقي، لكن عندما يصبح هو الاستجابة التلقائية لكل لحظة فارغة، تتغير علاقتنا بالفراغ نفسه.
لماذا أصبح الصمت أصعب؟
هناك تغيير آخر حدث بالتوازي مع تطور التكنولوجيا، بحيث لم يعد وقت الفراغ منفصلًا تمامًا عن بقية اليوم، إذ يمكن أن يصلنا بريد العمل أثناء المساء، أو رسالة من شخص آخر في منتصف استراحتنا، أو إشعار يذكرنا بشيء كنا نحاول نسيانه.
وقد درست أبحاث سابقة تأثير الهواتف على الإحساس بضغط الوقت، وجدت أن الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه؛ بحيث إن الدراسة اعتمدت على استبيانات مع سجلات لاستخدام الهاتف ومذكرات للوقت، ولم تجد أن استخدام الهاتف ارتبط بالضرورة بزيادة عجلة وقت الفراغ، لكن بينت كيف جعل الهاتف إمكانية التواصل المستمر موجودة في أي وقت ومكان.
إذن، ليس الهاتف وحده هو المشكلة، ولكن وجوده جعل الانقطاع عن العالم أقل وضوحًا.
والآن؛ كيف نستعيد علاقتنا بوقت الفراغ؟
استعادة وقت الفراغ لا تعني أن نضيف مهمة جديدة إلى جدولنا، ولا أن نحاول قضاء ساعات طويلة بلا هدف.
الفكرة أبسط من ذلك؛ أن نسمح لأنفسنا بوجود وقت لا نطالب بأن يكون منتجًا أو مفيدًا أو قابلًا للنشر، ويمكن أن يبدأ الأمر بترك الهاتف بعيدًا لبعض الوقت، أو الجلوس مع كوب من القهوة دون تصفح مستمر، أو المشي دون تحويله إلى تمرين محسوب، إذ أن المهم أن نترك بعض المساحات في اليوم من بدون أن ملئها تلقائيًا بأي محتوى أو مهمة.
وقد يكون من المفيد أيضًا أن ننتبه إلى الطريقة التي نستخدم بها أوقات الانتظار والانتقال، فليس ضروريًا أن نفتح الهاتف في كل مرة يتوقف فيها شيء حولنا.
أحيانًا، استعادة علاقتنا بالفراغ تبدأ فقط من تحمل الدقائق التي لا يحدث فيها شيء، بدل اعتبارها وقتًا ضائعًا يجب التخلص منه.
في النهاية؛ لم تتغير حاجتنا إلى الراحة بقدر ما تغيرت طريقتنا في التعامل مع بعض اللحظات التي لا يحدث فيها شيء، فقد أصبح بإمكاننا ملء كل دقيقة تقريبًا، لكن القدرة على ملء الوقت لا تعني أننا بحاجة إلى ملئه دائمًا.
لذا اسأل نفسك دائمًا؛ هل أستطيع أن أترك بعض الوقت فارغًا دون أن أشعر أنني مضطر لملئه؟