٩٨
الرئيسية › ثقافة ومجتمع › لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين رغم علمنا أن المقارنة ظالمة؟
لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين رغم علمنا أن المقارنة ظالمة؟
ثقافة ومجتمع 1 أكتوبر 2026 ٥ دقائق قراءة

لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين رغم علمنا أن المقارنة ظالمة؟

هو حقق هذا في عمري، وأنا ماذا فعلت؟ قد نعرف جيدًا أن لكل شخص ظروفه، بدايته المختلفة، والفرص التي أتيحت…

هو حقق هذا في عمري، وأنا ماذا فعلت؟

قد نعرف جيدًا أن لكل شخص ظروفه، بدايته المختلفة، والفرص التي أتيحت له، ومع ذلك نجد أنفسنا نقارن؛ نقارن شكلنا، عملنا، دخلنا، علاقاتنا، وحتى السرعة التي نمضي بها في الحياة، لكن المفارقة أن كثيرًا من هذه المقارنات لا تمنحنا إجابة مفيدة، بل تترك وراءها شعورًا بأننا متأخرون عن مكان يفترض أننا لم نتفق أصلًا على الوصول إليه.

ولكن إذا كنا نعرف أن المقارنة غير عادلة، فلماذا نستمر فيها؟

لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين؟

لأن الآخرين يساعدوننا على معرفة أين نقف

المقارنة الاجتماعية ليست اختراعًا حديثًا، بل هي جزء معروف من الطريقة التي يقيم بها الإنسان نفسه، فعندما لا نملك معيارًا واضحًا لمعرفة مدى نجاحنا أو تقدمنا، قد ننظر إلى الآخرين بحثًا عن نقطة مرجعية؛ هل أنا جيد في هذا الأمر؟ هل تقدمت بما يكفي؟ هل ما أفعله طبيعي بالنسبة إلى من هم في مثل ظروفي؟

إذ تعود الفكرة إلى نظرية المقارنة الاجتماعية التي بدأت دراستها منذ خمسينيات القرن الماضي، كما أنه في تحليل تلوي شمل أكثر من 60 عامًا من أبحاث المقارنة الاجتماعية، وجد الباحثون أن الناس يميلون كثيرًا إلى اختيار أشخاص أفضل منهم للمقارنة عندما لا يشعرون بتهديد مباشر، رغم أن النتيجة قد تكون محبطة أحيانًا.

لأننا لا نرى حياة الآخرين كاملة

المشكلة لا تبدأ دائمًا من المقارنة نفسها، وإنما من المعلومات التي نبني عليها هذه المقارنة.

نحن نرى النتيجة النهائية عند شخص آخر، بينما نعيش تفاصيل رحلتنا بكل ما فيها من تردد وتأخير وفشل ومحاولات لم تنجح، نرى شخصًا حصل على وظيفة جديدة، ولا نرى السنوات التي قضاها في البحث عنها، ونرى صورة لرحلة، ولا نرى الأيام التي لم يكن فيها المال أو الوقت أو حتى الرغبة في السفر.

وهكذا نقارن نسخة مختصرة من حياة شخص آخر بالنسخة الكاملة من حياتنا.

لأن المقارنة إلى الأعلى أسهل مما نتصور

هناك فرق بين أن نقارن أنفسنا بشخص نراه متفوقًا علينا، وبين أن نقارن أنفسنا بشخص نراه في مستوى أقل منا، والأبحاث تشير إلى أن المقارنة إلى الأعلى شائعة، خصوصًا عندما لا نشعر بأي تهديد مباشر.

لكنها ليست دائمًا سلبية، فقد تجعلنا نرى ما نريد الوصول إليه أو تمنحنا نموذجًا نقتدي به، وهنا تظهر المشكلة عندما يتحول الشخص الذي ننظر إليه من مصدر إلهام إلى دليل دائم على أننا لسنا جيدين بما يكفي.

وتشير مراجعة لأبحاث المقارنة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن المقارنات الصاعدة قد ترتبط بانخفاض الرفاهية، لكن النتائج ليست متطابقة عند الجميع، وتتأثر بطريقة استخدام المنصات وخصائص الشخص نفسه.

لأن السوشيال ميديا تجعل المقارنة مستمرة

في الماضي، كان علينا أن نلتقي بشخص أو نسمع عنه حتى نقارن أنفسنا به، بينما الآن فقد أصبحت حياة الآخرين تصل إلينا ونحن جالسون في مكاننا.

صورة، ترقية، منزل جديد، زواج، رحلة، أو مشروع ناجح، كلها سلسلة لا تنتهي من اللحظات التي يمكن أن نضعها بجانب حياتنا ونبدأ في الحساب.

وفي دراسة شملت أربع تجارب و 798 مشاركًا، ارتبطت المقارنات الصاعدة الأكثر تكرارًا وشدة على وسائل التواصل بانخفاض فوري في تقييم الأشخاص لأنفسهم، مع آثار سلبية تراكمية على تقدير الذات والمزاج والرضا عن الحياة بعد التصفح.

لكن هذا لا يعني أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الجميع أقل سعادة، حيث إن المراجعات الأوسع للأبحاث تجد نتائج أكثر تعقيدًا واختلافًا، بحسب طريقة الاستخدام والأشخاص والسياق.

لأننا أحيانًا لا نقارن ما نملك بما يملكه الآخرون، بل نقارن توقيتنا بتوقيتهم

وهذه ربما أكثر المقارنات قسوة.

  • هو تزوج وأنا لا.
  • هي بدأت مشروعها وأنا ما زلت أفكر.
  • هو وصل إلى هذا المنصب وأنا ما زلت في البداية.

هنا لا نقارن النتيجة فقط، بل نقارن الجدول الزمني لحياتنا بجدول زمني لشخص آخر، وكأن هناك عمرًا صحيحًا يجب أن تحدث فيه الأشياء كلها.

لكن الحياة لا تعمل بهذا الشكل، حيث إن وجود شخص في مرحلة معينة لا يعني أن هذه المرحلة هي المعيار الذي تأخرنا عنه.

فهل المقارنة دائمًا شيء سيئ؟

ليس بالضرورة.

فقد تكون المقارنة وسيلة لمعرفة ما نريده، أو لاكتشاف مهارة نحتاج إلى تطويرها، أو حتى لإعادة النظر في أهداف لم نعد نعرف إن كانت تناسبنا، كما يمكن للمقارنة الصاعدة أن تدفع إلى تحسين الذات عندما يبدو الوصول إلى ما نراه ممكنًا.

لكن الفارق المهم هو؛ هل أستخدم الشخص الآخر كمرجع، أم أستخدمه كحكم على قيمتي؟ في الحالة الأولى قد نتعلم، وفي الثانية قد ندخل في دائرة لا تنتهي من الشعور بالنقص.

كيف نتوقف عن المقارنة الظالمة؟

ربما لا يكون الهدف أن نتوقف عن المقارنة تمامًا؛ فهذا ليس واقعيًا.

الأهم أن نلاحظ اللحظة التي تبدأ فيها المقارنة، ثم نسأل؛ ما الذي أحاول معرفته فعلًا؟ فإذا كان ما نريده هو النجاح، فما تعريفنا نحن له؟ وإذا كنا نشعر بالتأخر، فمن الذي وضع هذا الموعد النهائي أصلًا؟

وقد يساعد أيضًا أن نعيد المقارنة إلى مكان أكثر عدلًا مثل أنفسنا السابقة؛ ماذا كنا نعرف قبل عام؟ ما الذي أصبحنا نفعله الآن ولم نكن قادرين عليه من قبل؟ وما الخطوة التي نريد الوصول إليها بعد ذلك؟

بهذه الطريقة، لا يصبح الآخرون مقياسًا لقيمتنا، بل مجرد أشخاص يسيرون في طرق مختلفة.

في النهاية

ربما لا نستمر في مقارنة أنفسنا بالآخرين لأننا نعتقد أن حياتهم أفضل فعلًا، وإنما لأن العقل يبحث عن مرجع سريع يفهم من خلاله مكاننا، ولكن معرفة ذلك لا تعني أن علينا تصديق كل مقارنة تخطر في أذهاننا.

ولهذا لنتوقف عن سؤال؛ لماذا لم أصل إلى ما وصل إليه؟ ونبدأ في سؤال؛ هل أنا اليوم في المكان نفسه الذي كنت فيه بالأمس؟

Author

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *