في زماننا لم نكن نفكر بهذه الطريقة.
قد تبدو هذه الجملة مألوفة في كثير من البيوت، كما قد يأتي الرد عليها من الجيل الأصغر؛ أنتم لا تفهمون ما نعيشه الآن.
بين الجملتين توجد فجوة أكبر من مجرد اختلاف في الرأي، إذ أن هناك تجربتان مختلفتان للحياة، لكل منهما ما شكلها وما جعلها تبدو طبيعية لأصحابها، فجيل الآباء نشأ في ظروف اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية مختلفة، بينما نشأ جيلنا في عالم تغيرت فيه سرعة الحياة، طبيعة العمل، طريقة التواصل، وأيضًا حتى مفهوم الاستقلال الشخصي.
فهل المشكلة أن أحد الجيلين لا يفهم الآخر؟ أم أن كل طرف يحاول تفسير تجربة الطرف الثاني باستخدام القواعد التي عاش بها هو؟
لماذا يصعب على كل جيل فهم الآخر؟
لأن كل جيل يعتبر تجربته نقطة البداية
نحن نفهم العالم من خلال ما عايشناه، ولذلك قد يبدو ما كان طبيعيًا بالنسبة إلى جيل الآباء أمرًا غير منطقي بالنسبة إلى جيلنا، والعكس صحيح.
بالنسبة إلى أحد الوالدين قد يكون الاستقرار الوظيفي أهم من تحقيق الشغف؛ إذ أن العمل بالنسبة إليه ارتبط بالأمان والمسؤولية، بينما بالنسبة إلى شخص أصغر سنًا، قد يكون تغيير الوظيفة أو العمل في مجال مختلف أمرًا طبيعيًا إذا كان المكان الحالي لا يناسبه.
لا يعني ذلك بالضرورة أن أحدهما أكثر واقعية أو أن الآخر أكثر طموحًا، فكل منهما يضع قراراته داخل الظروف التي يعرفها.
لأن العالم تغيّر أسرع مما تتغير القواعد العائلية
ربما لم يسبق لجيل واحد أن شاهد هذا القدر من التغيير خلال فترة قصيرة.
التكنولوجيا غيرت طريقة العمل والتعلم والتواصل والحصول على المعلومات، وما كان يحتاج إلى ساعات من البحث، أو الذهاب لمكان معين أصبح يمكن إنجازه من الهاتف خلال دقائق.
لذا قد يرى الآباء بعض عادات جيلنا غريبة، إنما نرى نحن بعض قواعدهم قديمة، والمشكلة أن التكنولوجيا لم تغير الأدوات فقط، بل غيرت معها توقعاتنا لما يجب أن تكون عليه الحياة اليومية.
فمثلًا، أصبح التواصل الفوري أمرًا طبيعيًا، فيمكن إرسال رسالة وانتظار الرد خلال دقائق، بينما نشأ جيل سابق في عالم لم تكن فيه هذه السرعة جزءًا من العلاقات اليومية.
لأن تعريف «الحياة الجيدة» لم يعد واحدًا
ربما يظهر الخلاف بشكل أوضح في القرارات الكبرى، مثل الزواج، العمل، السكن، الإنجاب، والاستقلال.
في بعض البيئات، كان المسار التقليدي يبدو واضحًا؛ دراسة، ثم وظيفة، ثم زواج، ثم تكوين أسرة، بينما اليوم، فقد يؤجل بعض الشباب هذه الخطوات، أو يختارون مسارات مختلفة، لأسباب اقتصادية أو شخصية أو مهنية.
وهنا قد يفسر الآباء التأجيل باعتباره ترددًا، بينما يراه أبناؤهم محاولة لاتخاذ قرار في ظروف أكثر تعقيدًا.
لكن في الاتجاه الآخر، قد يرى الأبناء حرص الآباء على الاستقرار نوعًا من التدخل، إنما يكون الدافع الحقيقي بالنسبة إلى الوالد هو الخوف والرغبة في حماية ابنه من المخاطر التي يعرفها من تجربته.
وهل يفهم جيلنا الآباء أكثر مما نظن؟
أحيانًا ننسى أن كثيرًا من الأمور التي تبدو لنا بديهية اليوم لم تكن كذلك عندما كان آباؤنا في أعمارنا.
فقد نطلب منهم أن يتفهموا طبيعة العمل عن بعد، أو العلاقات عبر الإنترنت، أو تغير مفهوم الخصوصية، إنما ننسى أن هذه الأشياء نفسها لم تكن جزءًا من العالم الذي تعلموا فيه كيف يعيشون.
وفي المقابل يمتلك الآباء معرفة بتفاصيل لا نعرفها نحن، مثل التعامل مع الأزمات الاقتصادية، وتحمل المسؤوليات العائلية، وبناء حياة مستقرة في ظروف لم تكن فيها الخيارات كثيرة.
وهنا لا تصبح المسألة من يعرف أكثر؟، بل ما الذي يعرفه كل جيل بحكم تجربته؟
ولماذا يظن كل طرف أن الآخر لا يستمع؟
لأن الخلاف بين الأجيال لا يتعلق بالمعلومة وحدها، بل المشاعر التي تقف خلفها في الخفاء، فعندما يقول أحد الوالدين أنا أقول لك هذا لمصلحتك، قد يسمع الابن أو الابنة أنت لا تثق بي، وعندما يقول الابن أريد أن أقرر بنفسي، فقد يسمع الوالد رأيك لم يعد مهمًا.
وهكذا يمكن أن يبدأ الحوار بجملة بسيطة، ثم يتحول سريعًا لصراع حول الاحترام والثقة والاستقلال.
وقد أشارت أبحاث حول العلاقات بين الآباء والأبناء البالغين إلى أن جودة العلاقة لا تعتمد فقط على الاتفاق، وإنما تتأثر بالتواصل والدعم والحدود والاستقلالية المتبادلة.
بمعنى آخر يمكن لشخصين أن يختلفا في الرأي، ولكن يظلا قريبين، إذا لم يتحول الاختلاف إلى محاولة لإلغاء تجربة الطرف الآخر.
فهل يحتاج كل جيل إلى أن يفهم الآخر تمامًا؟
ربما لا.
من الصعب أن يفهم شخص تجربة لم يعشها بكل تفاصيلها، مثلًا جيلنا لن يعرف تمامًا كيف كان شكل الحياة عندما كانت الخيارات أقل والتكنولوجيا محدودة، كما أن جيل الآباء لن يستطيع أن يعيش بالكامل الضغوط والتوقعات التي تشكل حياة الشباب اليوم.
ولكن المطلوب ربما ليس الفهم الكامل، وإنما التوقف عن افتراض أن تجربتنا هي التجربة الوحيدة المنطقية.
ويمكن للابن أن يقول أنا أفهم لماذا كنت ترى الأمر بهذه الطريقة، ولكن ظروفي مختلفة، ويمكن للوالد أن يقول أنا لا أعيش ما تعيشه، لكنني أريد أن أفهمه.
فهذه الجمل البسيطة تفتح مساحة للحوار، بدلًا من أن تجعل كل اختلاف معركة لإثبات من على حق.
ما الذي يمكن أن نتعلمه من اختلاف الأجيال؟
ربما أهم شيء هو أن لكل جيل نقاط قوة ونقاط عمياء.
الجيل الأكبر قد يحمل خبرة طويلة في الصبر، وتحمل المسؤولية، وبناء العلاقات في ظروف أقل سهولة من بعض النواحي، إنما الجيل الأصغر قد يكون أكثر اعتيادًا على التغيير، وأسرع في الوصول إلى المعلومات، وأكثر استعدادًا لإعادة التفكير في بعض القواعد التي لم تعد تناسبه.
ولكن تحويل هذه الاختلافات إلى أحكام عامة يجعلنا نفقد أهم ما يمكن أن تمنحه العلاقة بين الأجيال؛ وهو تبادل الخبرة.
فمثلًا الابن لا يحتاج إلى أن يعيش حياة أبيه حتى يتعلم منه، والأب لا يحتاج إلى أن يعيش حياة ابنه حتى يفهم أن العالم تغير.
وفي النهاية؛ ربما لا يمكننا أن نحدد أي جيل يفهم الآخر أكثر؛ لأن كل طرف يفهم جزءًا من العالم لا يملكه الطرف الآخر، إذ يعرف جيل الآباء العالم الذي جاء منه، وجيلنا يعرف العالم الذي وصل إليه.
وبين العالمين، ربما لا نحتاج إلى أن يتفق أحدهما مع الآخر بقدر ما نحتاج إلى أن يسأل كل طرف قبل الحكم؛ ماذا لو كانت هناك أشياء في حياة الآخر لا أراها لأنني لم أعشها؟