كل يا حبيبي، أنت لم تأكل شيئًا!
جملة تبدو عادية في كثير من البيوت، ولكنها تختصر علاقة كاملة بالطعام داخل المناسبات العائلية، إذ إن الأكل لم يكن يومًا مجرد استجابة للجوع، لكن كان جزءًا من الضيافة، وطريقة للتعبير عن الحب، وعلامة على الكرم، ووسيلة تجمع الناس حول مائدة واحدة.
لكن شكل هذه العلاقة يتغير، إذ إن المناسبات التي كانت تعتمد على طبق أو اثنين للجميع، أصبحت في كثير من البيوت موائد ممتدة، أصنافًا أكثر، وحلويات عديدة ومشروبات مختلف، مع صور للطعام قبل أن يبدأ الجميع في الأكل.
وبينما ما زال الطعام يحتفظ بدوره الاجتماعي، أصبحت علاقتنا به أكثر تعقيدًا.
لماذا كان الطعام دائمًا جزءًا من العلاقات العائلية؟
لأن تقديم الطعام للآخرين يتجاوز فكرة إشباع الجوع.
ففي الثقافات المختلفة، ارتبط الطعام بالمشاركة والضيافة والاحتفال، وأصبحت الوجبة المشتركة وسيلة لبناء الروابط الاجتماعية، وهنا تظهر أبحاث حول الأكل الاجتماعي؛ إذ إن تناول الطعام مع الآخرين يرتبط غالبًا بتجارب اجتماعية إيجابية، وقد يكون له دور في تقوية الإحساس بالانتماء والتواصل.
ولهذا في مراجعة بحثية تناولت الأكل مع الآخرين، وجد الباحثون أن تناول الطعام في وجود الآخرين قد يكون مرتبطًا بزيادة كمية الطعام مقارنةً بالأكل منفردًا، وهي ظاهرة تعرف باسم التسهيل الاجتماعي للأكل.
وهذا يفسر شيئًا نعرفه intuitively؛ قد لا نكون جائعين جدًا، لكن وجود العائلة حول المائدة يجعلنا نأكل أكثر، أو نبقى على المائدة وقتًا أطول.
كيف أصبح الطعام لغة للحب والاهتمام؟
في كثير من العائلات، لا يقال الحب بالكلمات دائمًا، بل يقال بطبق إضافي.
- عملت لك الأكلة التي تحبها.
- خذ هذه معك.
- تناول الحلويات قبل أن تذهب.
ولهذا يمكن أن يصبح رفض الطعام في بعض السياقات، أكثر من مجرد قرار متعلق بالشهية، فقد يُفهم باعتباره رفضًا لاهتمام الشخص الذي أعده.
حيث تشير أبحاث علم النفس الاجتماعي إلى أن تقديم الطعام ومشاركته يمكن أن يؤدي وظائف تتجاوز التغذية، مثل التعبير عن الرعاية وتقوية العلاقات والاحتفال بالروابط الاجتماعية.
ولذلك قد يكون من الصعب أحيانًا أن نقول «لا» لطبق قدمه شخص نحبه، حتى عندما لا نشعر بالجوع.
ماذا غير شكل المناسبات العائلية؟
أصبحت المناسبات نفسها أكثر ارتباطًا بفكرة المائدة الكبيرة.
ففي السابق، كان الطعام جزءًا من المناسبة، بينما اليوم في بعض المناسبات يمكن أن تصبح المائدة واحدة من أهم أحداثها؛ أصناف كثيرة، أطباق مصممة للتصوير، حلويات متعددة، وتجارب جديدة تظهر مع كل مناسبة.
وسائل التواصل الاجتماعي أضافت طبقة أخرى إلى هذه العلاقة، حيث إن الطعام لم يعد شيئًا نأكله فقط، بل أصبح شيئًا نراه ونصوره ونشاركه، وقد ذكرت مراجعة للأبحاث حول صور الطعام على وسائل التواصل العلاقة بين رؤية الطعام وجميع اختيارات الأكل، مع الإشارة إلى أن التأثير يختلف بحسب نوع المحتوى والشخص والسياق، وليس مجرد رؤية صورة طعام تعني بالضرورة أن الشخص سيأكل أكثر.
وهكذا أصبح للطعام حضور حتى قبل أن نجلس إلى المائدة.
وهل أصبحت المناسبات تضغط علينا لنأكل أكثر؟
أحيانًا، نعم، ولكن الضغط لا يأتي دائمًا في صورة مباشرة.
فقد يكون في الإصرار على تذوق كل شيء، أو الشعور بالحرج إذا رفضنا طبقًا، أو الاعتقاد بأن المناسبة الناجحة يجب أن تكون مرتبطة بوفرة الطعام.
وهنا تتداخل الشهية الحقيقية مع الإشارات الاجتماعية، إذ إن الدراسات على الأكل الاجتماعي تشير إلى أن وجود الآخرين يمكن أن يؤثر في كمية الطعام التي نتناولها، كما يمكن لعادات المجموعة نفسها أن تؤثر في اختياراتنا.
بمعنى آخر، قد لا نأكل لأننا قررنا فجأة أننا نريد المزيد، بل لأن الجميع ما زال يأكل، أو لأن الطعام أمامنا، أو لأن شخصًا ما شجعنا على أخذ قطعة أخرى.
لماذا تبقى أطعمة معينة مرتبطة بذكرياتنا؟
لأن الطعام لا يحتفظ بالطعم فقط، بل يحتفظ بالسياق الذي أكلناه فيه.
رائحة طبق معين قد تعيدنا إلى بيت قديم، وحلوى مرتبطة بالعيد تستحضر أناسًا لم نعد نراهم، ووصفة عائلية يمكن أن تصبح جزءًا من ذاكرة جيل كامل.
تشير أبحاث عن الذاكرة المرتبطة بالطعام إلى أن الروائح والنكهات يمكن أن تكون محفزات قوية للذكريات، خصوصًا عندما ترتبط بتجارب شخصية وعاطفية.
ولهذا قد لا نشتاق أحيانًا إلى الطعام نفسه، بقدر ما نشتاق إلى الأشخاص والوقت والمكان الذي كان يأتي معه.
فهل تغيّرت علاقتنا بالطعام أم تغيّرت المناسبات نفسها؟
ربما الاثنان معًا.
ما زال الطعام يحتفظ بوظيفته القديمة في جمع الناس، التعبير عن الكرم، وخلق ذكريات مشتركة، ولكننا أضفنا إليه وظائف جديدة، فقد أصبح مرتبطًا بالتصوير، والمشاركة على الإنترنت، وتجربة المطاعم والوصفات، وأحيانًا بصورة معينة نريد أن تظهر بها مناسباتنا أمام الآخرين.
وفي الوقت نفسه، تغيرت طريقة عيش العائلات نفسها، إذ لم يعد من السهل دائمًا أن تجتمع الأسرة حول المائدة كل يوم، لهذا قد تحمل المناسبة العائلية قيمة أكبر عندما تحدث.
ولهذا يصبح الطعام فيها أكثر حضورًا؛ لأنه أحد الأشياء القليلة التي تجعل الجميع يجلس في المكان نفسه، في الوقت نفسه، ويفعل الشيء نفسه.
وفي النهاية؛ لم تتغير علاقتنا بالطعام لأننا أصبحنا نأكل بطريقة مختلفة فقط، بل لأن الطعام نفسه أصبح يحمل معاني أكثر.
هو وجبة، لكنه أيضًا ذكرى، وهو ضيافة، لكنه أحيانًا لغة للحب، وقد يكون سببًا للاجتماع قبل أن يكون سببًا للشبع، لهذا عندما نتذكر مناسبة عائلية قديمة، ربما لا نتذكر فقط ماذا أكلنا، بل من كان يجلس إلى جوارنا على المائدة.