ملاحظة تحريرية: هذا المقال تلخيص لبحث أصلي أعده الكاتب من نحو 6000 كلمة.
حلب الشهباء، إحدى أجمل مدن سوريا وأكثرها أهمية، عُرفت بكونها عاصمة صناعية لسوريا وأكثر محافظاتها مساحة وسكانًا. لكن سرعان ما انقلب حالها مع اندلاع أحداث الحرب السورية، فكثيرًا ما نستذكر معركة حلب (2016) كإحدى الفواصل التاريخية في تاريخ سوريا الحديث. تحوّلت حلب الحضارة إلى ميدان للصراع الذي لم يقتصر على استخدام الرصاص والآليات الثقيلة فحسب بل شمل الكلمات وتأثيرها الشديد في تكوين الرأي العام. لم تُستخدم اللغة فيه لتوثيق أحداث الحرب فقط بل للتأثير في كيفية فهم الجمهور لأحداث الصراع، فصُوّرت الانتصارات على أنها تحرير للأرض، والهزائم كجرائم شنيعة، وعمليات الإجلاء إما كعمليات إنقاذ أو كتهجير قسري. أصبح دور اللغة كسلاح حرب واضحًا في قوته على بناء حقائق متعارضة، وبشكل خاص في تغطية سيطرة قوات الأسد على أحياء حلب الشرقية أواخر عام 2016.
نتناول هنا منظورين مختلفين تمامًا: وكالة الأنباء العربية السورية (سانا)، الوكالة الرسمية لحكومة الأسد، ومنصة عنب بلدي المعارضة التي أُسست عام 2011 على يد صحفيين وناشطين مناهضين للحكومة. يمثّل هذان المصدران طرفي الصراع المتعارضين، أحدهما يتحدث باسم الحكومة السورية والآخر باسم المعارضة السورية. لا تختلف تقاريرهما في محتواها المتناقض فحسب، بل في الكلمات المختارة وتركيب الجمل الذي يعكس توجههما السياسي وقيمهما الثقافية. السؤال الذي نطرحه: كيف يعكس الاختلاف في استخدام المفردات والتراكيب اللغوية التوجهات الثقافية والسياسية في تغطية هذا الحدث بين المصدرين؟
اعتمد التحليل على منهج تحليل الخطاب النقدي، بجمع تسع مقالات من سانا وخمس من عنب بلدي، بما يقارب 5000 كلمة لكل مصدر، ضمن الإطار الزمني الممتد من نوفمبر إلى نهاية ديسمبر 2016، وهما الشهران اللذان شهدا المعركة النهائية لتحرير حلب وسيطرة قوات الحكومة على أحيائها. تم توظيف هذا المنهج لدراسة كيفية استخدام اللغة في عكس شرعية السلطة وأيديولوجيتها، عبر أربعة مفاهيم أساسية: الاختيارات المعجمية (تسمية الفاعلين والأحداث بما يخدم رواية الكاتب)، الإسناد النحوي والتأطير (من يُسند إليه الفعل ومن هو المفعول به)، الشرعنة ونزع الشرعية، وأسلوب التلطيف والتشويه. تجدر الإشارة إلى أن ضيق نطاق البحث كان ضروريًا للحفاظ على عمق التحليل، وأن أبرز التحديات التي واجهت جمع المصادر كانت صعوبة العثور على مقالات سانا من عام 2016 بعد التغيرات الشاملة التي طالت الموقع عقب التحولات السياسية في سوريا مع نهاية 2024.
السياق التاريخي:
خرجت عام 2011 مظاهرات سلمية في دمشق مع قيام الربيع العربي تطالب بالإصلاح السياسي وإطلاق سراح المعتقلين، وشهدت حلب العديد منها. مع منتصف 2012 سيطرت فصائل المعارضة على غالبية أراضي حلب الشرقية، وردّت الحكومة بقصف عنيف واستعادت الأحياء القديمة. بين 2013 و2015 ظلت خطوط المواجهة شبه ثابتة وسط اشتباكات أدت إلى انهيار البنية التحتية وحصار شرق حلب. ثم جاء عام 2016: حوصرت شرق حلب مع دخول يوليو وقُطعت آخر خطوط الإمداد، وتصاعد القصف في أكتوبر، وتأزم الوضع الإنساني في نوفمبر مع خروج آخر المستشفيات عن الخدمة وتحذير الأمم المتحدة من مجاعة، إلى أن أعلنت الحكومة سيطرتها الكاملة على حلب في الثاني والعشرين من ديسمبر.
تسمية الفاعلين:
تتجنب سانا تمامًا أي تسمية حيادية للمعارضة كـ”فصائل” أو “مقاتلين”، ولا تشير إليها بـ”الجيش الحر” أو “الثوار”، وحين تستخدم كلمة “المعارضة” تضعها بين أقواس تهكمية متبرئة منها، أو تسخر من تسمية الغرب لها بـ”المعارضة المعتدلة”. بدلًا من ذلك تستخدم “التنظيمات الإرهابية التكفيرية” و”المجموعات الإرهابية” و”العصابات”، وقد استُخدم مصطلح “إرهابي” ومشتقاته 173 مرة من أصل 5000 كلمة في مصادرها، في جمل مثل “من أجل تطهيرها من الإرهابيين” و”قضت على أعداد كبيرة من الإرهابيين”. في المقابل، تشير القوات الحكومية عند سانا بـ”الجيش العربي السوري” (18 مرة) أو “الجيش” اختصارًا (52 مرة)، بما يعكس شرعيتها الوطنية والدولية، وتستخدم عبارة “القوات الرديفة والحليفة” في إشارة إلى حلفائها، وتُذكر روسيا 17 مرة كأكثر طرف ثالث حضورًا، فيما لا يظهر اسم إيران عند سانا إطلاقًا.
على النقيض، تعتمد عنب بلدي تسميات تمنح المعارضة الشرعية: “المعارضة” (32 مرة) و”فصائل” (33 مرة)، إضافة إلى “مقاتلو المعارضة” و”الجيش الحر” وأسماء تفصيلية كـ”جيش الفتح” و”فتح حلب” لم تذكرها سانا إطلاقًا. أما الحكومة فلم تُسمَّ يومًا بـ”الحكومة السورية”، واستُبدلت بمصطلح “النظام” (18 مرة)، وأُشير إلى قواتها بـ”قوات الأسد” (27 مرة) أو “قوات النظام”، تجريدًا لها من الهوية الوطنية وربطًا لها بشخص الرئيس وحده. كما استخدمت المنصة كلمة “الميليشيات” 30 مرة لوصف القوى الأجنبية الداعمة للحكومة، بينما لم تستخدمها سانا أبدًا، وذكرت روسيا والروس 37 مرة وإيران والإيرانيين 21 مرة، واصفة تدخل “ميليشيات مسلحة ذات صبغة طائفية أتت من ست دول”.
وصف العمل العسكري:
استخدمت سانا كلمة “تحرير” 9 مرات بينما لم تستخدمها عنب بلدي إطلاقًا، إلى جانب “تطهير” و”قضاء” (7 مرات)، وتجنبت كلمة “قصف” مفضّلة “ضربات مركزة” لإظهار احترافية القوات الحكومية ودقتها وترجيح أقل الخسائر، مستخدمة عبارة “أكد” 11 مرة لإضفاء طابع السلطة والحقيقة المطلقة. أما عنب بلدي فاستخدمت “سقط” 13 مرة في مقابل “تحرير” عند سانا، ووصفت المرحلة بـ”المأساوية” وعمليات الحكومة بـ”الاقتحام”، وقالت إن الطيران الحربي “يقصف الأحياء السكنية” وإن “النظام وروسيا يحرقان حلب.. عشرات الضحايا والعالقين تحت الأنقاض”، مستخدمة “حصار” 26 مرة و”تهجير” لوصف سياسة اعتبرتها تغييرًا ديموغرافيًا متعمدًا لا عملية إنقاذ وتطهير من الإرهاب كما تصفها سانا.
التراكيب النحوية:
وظّفت سانا صيغة المبني للمعلوم بإصرار وبشكل مستمر لتقديم مؤسسات الحكومة كفاعل متحكم ومنتصر، كما في عنوان “وحدات من الجيش العربي السوري تستعيد السيطرة على حي جبل بدرو”، حيث لا مجال للشك أو الغموض في هوية الفاعل. وحتى حين تُسند الفعل إلى المعارضة، تفعل ذلك بتفصيل مطوّل يمنح انطباع الشفافية والإحاطة بالتفاصيل الصغيرة، كما في وصفها استهداف “التنظيمات الإرهابية التكفيرية” لمجموعات من المدنيين بالقذائف والرصاص أثناء خروجهم من الأحياء الشرقية باتجاه المناطق الآمنة، بدلًا من جملة مقتضبة كـ”استهدف الإرهابيون المدنيين” تحمل المعنى ذاته.
في المقابل، اعتمدت عنب بلدي أسلوبًا أكثر مرونة: تستخدم المبني للمعلوم حين تريد تحميل الحكومة المسؤولية مباشرة، كما في “استعان النظام السوري بميليشيات مسلحة”، لكنها تلجأ كثيرًا إلى المبني للمجهول لتحويل الأنظار إلى المدنيين والجمادات من مبانٍ وأحياء وإلى منظمات حقوق الإنسان، كما في جملة توثّق فيها “هيومن رايتس ووتش” جرائم حرب نفّذتها “قوات الأسد المدعومة روسيًا” خلال شهري أيلول وتشرين الأول، ثم “قُتل إثرها 440 مدنيًا بينهم 90 طفلًا” – حيث يُخفى الفاعل في الشق الأخير من الجملة ليصبح مقتل المدنيين نتيجة حتمية لجرائم النظام لا فعلًا يحتاج فاعلًا مباشرًا، وتُبرز الضحايا كمحور الجملة الأخير. وتتكرر هذه الاستراتيجية في أمثلة أخرى مثل “احتجزت ميليشيات شيعية نحو 800 مدني” (مبني للمعلوم يُسند الفعل صراحة إلى الميليشيات)، مقابل “قُتلوا، بعدما قَتلوا العشرات من الميليشيات الطائفية” حيث يغيب الفاعل الأول تمامًا عن الجملة.