١٦٨
الرئيسية › ثقافة ومجتمع › لماذا نخجل من طلب المساعدة؟
لماذا نخجل من طلب المساعدة؟
ثقافة ومجتمع 27 سبتمبر 2026 ٥ دقائق قراءة

لماذا نخجل من طلب المساعدة؟

عذرًا، لا أريد أن أُتعبك. قد نقولها قبل أن نطلب شيئًا بسيطًا من شخص قريب منا، أو نتراجع عن طلب…

عذرًا، لا أريد أن أُتعبك.

قد نقولها قبل أن نطلب شيئًا بسيطًا من شخص قريب منا، أو نتراجع عن طلب المساعدة تمامًا ونقرر أن نتعامل مع الأمر وحدنا، ليس لأننا لا نحتاج المساعدة، بل لأن مجرد الاعتراف بأننا نحتاجها قد يجعلنا نشعر بشيء من الحرج.

نحن نعرف منطقيًا أن كل شخص يحتاج إلى الآخرين في مرحلة ما، ومع ذلك يظل طلب المساعدة بالنسبة إلى كثيرين أصعب من تقديمها.

فلماذا؟

لماذا يبدو طلب المساعدة محرجًا إلى هذا الحد؟

لأننا نربطه بعدم القدرة على الاعتماد على أنفسنا

هناك صورة مثالية للاستقلالية تقول إن الشخص القادر هو الذي يعرف كيف يتصرف وحده، ويحل مشكلاته بنفسه، ولا يحتاج إلى أن يمد يده لأحد.

ومع الوقت يمكن أن تتحول هذه الفكرة إلى قاعدة داخلية؛ إذا طلبت المساعدة، فأنا لم أكن قادرًا بما يكفي.

وهذا يفسر لماذا يفضل شخص أن يقضي ساعات في محاولة حل مشكلة بمفرده بدل أن يسأل شخصًا يعرف الإجابة في دقائق، فالمشكلة لم تعد في الحل نفسه، وإنما في المعنى الذي نعطيه لفكرة الاحتياج.

وتظهر الاعتمادية على الذات بالفعل كأحد العوائق التي تظهر في أبحاث سلوك طلب المساعدة، إلى جانب الوصمة وصعوبة التعبير عما نحتاجه.

لأننا نخاف أن نكون عبئًا

قبل أن نطلب المساعدة، قد تبدأ سلسلة طويلة من الأسئلة في رأسنا:

  • هل هو مشغول؟
  • هل سيضطر إلى تغيير خططه؟
  • هل سيعتقد أنني أستغل طيبته؟
  • هل سيوافق مجاملة فقط؟

وبدل أن نسأل ببساطة، نحاول أن نجيب عن كل هذه الأسئلة نيابة عن الشخص الآخر، وغالبًا نفترض أسوأ الاحتمالات.

والمثير أن الأبحاث تشير إلى أن هذا التصور قد يكون غير دقيق.

في سلسلة من الدراسات، وجد الباحثان فرانسيس فلين وفانيسا ليك أن الأشخاص الذين يحتاجون المساعدة كانوا يقللون من احتمالية موافقة الآخرين على طلباتهم بشكل واضح؛ وفي بعض الدراسات، وصل حجم التقليل إلى 50%.

أي أننا قد نرفض طلب المساعدة قبل أن نطلبها أصلًا؛ لأننا افترضنا أن الإجابة ستكون لا.

لأننا نخاف من الرفض أكثر مما نحتاج إلى المساعدة

هناك فرق بين أن يقول لنا شخص لا أستطيع الآن، وبين أن نفهم من ذلك لا أريد مساعدتك.

ولكننا أحيانًا نخلط بين الاثنين.

وقد يكون هذا أحد أسباب التردد في الطلب؛ لأننا لا نخاطر فقط بعدم الحصول على المساعدة، بل نخاطر أيضًا بالشعور بالرفض أو الإحراج.

وهنا يصبح عدم السؤال وسيلة لحماية أنفسنا؛ إذا لم أطلب، فلن أسمع لا، ولكن هذه الحماية لها ثمن، فقد تجعلنا نتحمل شيئًا كان يمكن أن يصبح أسهل بكثير بمجرد أن نشارك شخصًا آخر فيه.

لأننا نبالغ في تقدير مقدار الإزعاج الذي سوف يسببه طلبنا

نحن عادةً نركز على تكلفة المساعدة بالنسبة إلى الشخص الآخر؛ الوقت، الجهد، أو تعطيل ما يفعله.

لكن دراسة حديثة نسبيًا وجدت أن الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة كانوا يقللون أيضًا من مدى شعور الآخرين بالإيجابية تجاه مساعدتهم، ولهذا في المقابل يبالغون في تقدير شعورهم بأنهم تعرضوا للإزعاج، وشملت سلسلة الدراسات أكثر من ألفي مشارك بالغ في الولايات المتحدة.

وبمعنى آخر، يكون تصورنا للموقف مختلفًا عن تجربة الشخص الذي نطلب منه المساعدة، إذ يكون بالنسبة إلينا أنا أحمّله شيئًا، وبالنسبة إليه أنا أساعد شخصًا يحتاجني.

وهل تربينا على أن نطلب المساعدة بطريقة مختلفة؟

تختلف علاقة الناس بطلب المساعدة بحسب اختلاف الثقافة والعائلة والظروف الشخصية، لذلك لا يمكن اختزالها في سبب واحد.

لكن في بعض البيئات قد يكون الاعتماد على النفس قيمة قوية، بل يُنظر إلى إظهار الاحتياج باعتباره شيئًا ينبغي إخفاؤه، وفي أبحاث تناولت طلب المساعدة النفسية لدى السكان العرب، ظهرت عوامل مثل الوصمة، والخصوصية، والثقة، ومعرفة الخدمات المتاحة والعوامل الثقافية ضمن الحواجز التي تؤثر في طلب المساعدة، مع ميل شائع إلى تفضيل الدعم غير الرسمي من العائلة والأصدقاء.

وهذا مهم لأن طريقة نظرنا إلى الاحتياج لا تتكون داخلنا وحدنا؛ بل تتأثر أيضًا بما تعلمناه عن القوة، والاستقلال، وما يجوز أن نطلبه من الآخرين.

فهل طلب المساعدة يعني أننا أصبحنا أقل استقلالًا؟

ربما العكس أحيانًا.

فالاستقلال لا يعني أن نفعل كل شيء وحدنا، وإنما أن نعرف متى نستطيع التعامل مع الأمر بأنفسنا ومتى نحتاج إلى شخص آخر.

إذ هناك فرق بين الاعتماد الكامل على الآخرين، وبين القدرة على الاعتراف بأننا لا نعرف أو لا نستطيع أو لا نريد أن نحمل كل شيء بمفردنا.

وقد تكون إحدى العلامات الصحية في العلاقات أن يكون طلب المساعدة ممكنًا من دون شعور دائم بالدَّين أو الخجل، وأن يكون رفض الطرف الآخر ممكنًا أيضًا من دون أن يتحول إلى مشكلة شخصية.

كيف نجعل طلب المساعدة أسهل؟

ربما لا نحتاج إلى أن نتخلص من الإحراج تمامًا، حيث يكفي أن نتوقف عن معاملته كإشارة إلى أننا نفعل شيئًا خاطئًا.

إذ يمكن أن نبدأ بطلبات واضحة وصغيرة بدل انتظار أن يصل الأمر إلى مرحلة لا نستطيع فيها التحمل، ويمكن أن نعطي الشخص الآخر مساحة حقيقية للرفض؛ مثلًا لو عندك وقت، ممكن تساعدني في كذا؟.

بهذه الطريقة، لا نفرض المساعدة ولا نعتذر عن احتياجنا إليها.

والأهم أن نترك للآخرين حق اتخاذ القرار بدل أن نتخذ القرار نيابة عنهم، فإذا كان الشخص لا يستطيع، يمكنه أن يقول لا، وإذا كان يستطيع ويريد، فقد نكتشف أننا كنا نخجل من طلب لم يكن مزعجًا له أصلًا.

وفي النهاية؛ ربما لا نخجل من طلب المساعدة لأننا ضعفاء، ولكن لأننا اعتدنا أن نربط القوة بالقدرة على القيام بكل شيء وحدنا.

ولكن الإنسان لا يعيش منفردًا، ولا يفترض أن يفعل ذلك، وأحيانًا قد يكون أصعب جزء في طلب المساعدة هو الجملة الأولى فقط؛ ممكن تساعدني؟

Author

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *